
صدر الصورة، Getty Images
التعليق على الصورة، تهدف مقترحات تعديلات قوانين الهجرة إلى جعل الهجرة إلى بريطانيا والاستقرار فيها أمرا غير مغرٍ للحد من أعداد المهاجرين.Article InformationAuthor, أميرة مهذبي
قبل 3 ساعة
“كبرتُ في بريطانيا وفيها أسستُ حياتي وبنيتُ صداقاتي وعلاقاتي، ولا أتخيلُ سيناريو العودة إلى بلدي” تقول مهاجرة من الشرق الأوسط عاشت سنوات في بريطانيا، وقد تعيدها تعديلات نظام الهجرة إلى نقطة الصفر بعد أن اقتربت من الحصول على الإقامة الدائمة.
حالها مثل حال مئات آلاف المهاجرين الذين يعيشون قلقاً منذ مايو/أيار الماضي عندما نشرت حكومة العمال ورقتها البيضاء لقوانين الهجرة، وهي مجموعة مقترحات لتعديلات تعتزم إدخالها على نظام الهجرة البريطاني.
الورقة، كما وصفتها الحكومة، تعد “أكبر عملية إعادة هيكلة لنظام الهجرة القانونية منذ ما يقرب من نصف قرن”، وتهدف إلى جعل الهجرة إلى بريطانيا والاستقرار فيها أمرا غير مغرٍ للحد من أعداد المهاجرين.
وبحسب بيانات رسمية من المتوقّع أن يصبح 1.6 مليون مهاجر مؤهّلين للحصول على الإقامة الدائمة بحلول عام 2030، “نظراً لمستويات الهجرة القياسية في ظلّ الحكومة السابقة”، حسبما تقول حكومة العمال.
وقد أثارت التعديلات المقترحة جدلاً كبيراً، لأنه من المقترح أن يطبق عدد منها بأثر رجعي على المهاجرين الذين دخلوا بريطانيا قبل مقترح التعديل.
وبينما ترى الحكومة أن التعديلات ستجعل نظام الهجرة “أكثر عدلاً” وتجعل الإقامة الدائمة أمراً “مستحقاً” لا تطوراً أوتوماتيكياً، يقول المهاجرون، الذين بنوا حياة في بريطانيا في انتظار الإقامة الدائمة، إنها زعزعت استقرارهم وهزت ثقتهم في الحكومات، الحالية والقادمة.
قد تعني هذه التعديلات لبعضهم استحالة حصولهم على وظيفة تكفل إقامتهم هنا حتى يستوفوا الشروط المطلوبة للحصول على الإقامة الدائمة.
وسيُجبر آخرون، إذا تحولت التعديلات المقترحة إلى قوانين سارية، على الاستمرار في تجديد تأشيرات الإقامة المؤقتة مرات متكررة، بتكلفة تصل إلى آلاف الدولارات في كل مرة، إلى أن يستوفوا مدة قد تمتد لأكثر من عشر سنوات للحصول على الإقامة الدائمة. وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، يشكل ذلك عبئاً مالياً يعجزون عن تحمله، ما قد يجبرهم على مغادرة بريطانيا.
يقول مستشار شؤون الهجرة في بريطانيا علي القدومي لبي بي سي، إن هذه المقترحات خلقت حالة من التخبط والخوف وسط المهاجرين، لكنها من الممكن أن لا تصبح، كلها أو بعضها، قوانين فعلية بعد انتهاء مدة الاستشارة.
وقد أتاحت الحكومة، عبر هذا الرابط ، فرصة للأفراد والمؤسسات لإبداء الرأي في مقترحات التعديلات حتى الثاني عشر من فبراير/ شباط.
“شروط التأشيرة كانت عقداً بنيت على أساسه حياة هنا”
من التغييرات المقترحة في قوانين الهجرة، مضاعفة المدة الأساسية للحصول على الإقامة الدائمة بعد إقامة مؤقتة متجددة، من خمس سنوات إلى عشر سنوات. ومن المقترح أن يبدأ تنفيذ هذا التغيير في أبريل نيسان أبريل/ نيسان 2026، وأن يطبق بأثر رجعي على نحو مليوني مهاجر قدموا إلى بريطانيا منذ عام 2021 ولم يحصلوا على الإقامة الدائمة حتى تاريخ دخول التعديل حيز التنفيذ، حسب إحصاءات رسمية.
من بين هؤلاء سيدة تونسية، طلبت منا عدم ذكر اسمها، دخلت البلاد قبل أربع سنوات بتأشيرة العمال ذوي المهارات للعمل في مجال صناعة الأدوية.
تقول: “كانت أمامي خيارات أخرى للعمل والإقامة بعد حصولي على الماجستير، من بينها فرنسا وسويسرا وبلجيكا، لكنني اخترت بريطانيا، لأني كنت أبحث عن أفضل فريق يمكنني العمل معه ويشبع رغبتي في البحث والعلم في مجالي”.
بعد قدومها إلى بريطانيا مع زوجها أنجبت ولداً. وكانت تنتظر أن تتم عامها الخامس وتحصل على الإقامة الدائمة حتى يكتمل استقرارها العائلي.
تخول لها هذه الإقامة أيضاً الحصول على مساعدة في رعاية الطفل لتتمكن هي وزوجها من العمل بالشكل الذي يسمح لهما بالتقدم في مجالهما. وهما الآن يخصصان وقتاً أكبر لرعاية طفلهما إذ أن تكاليف الحضانة بدوام كامل تصل 1600 جنيه استرليني (2200 دولار) شهرياً.
وحسب القوانين الحالية، تسهم الدولة بأجر 15 إلى 30 ساعة في الأسبوع لمؤسسات رعاية الأطفال في سن الثالثة والرابعة للأولياء العاملين من البريطانيين أو المقيمين في بريطانيا بشكل دائم.
تعيش محدثتنا الآن حالة من القلق والشعور بالخذلان: “شروط التأشيرة كانت عقداً بنيت على أساسه حياة هنا”، تقول، “أنا أعمل وألتزم بالقوانين وبدفع الضرائب وأُسهم في الاقتصاد وفي المقابل أتوقع أن أحصل على الإقامة الدائمة بعد خمس سنوات حتى أستقر وأعيش بشكل مريح. أن تتغير بنود الاتفاق فجأة وأنا على وشك الحصول على الإقامة الدائمة، فهذا أعتبره تحايلاً.”
ويقول مقترح الحكومة إن بعض المهاجرين قد يمنحون إقامة دائمة قبل عشر سنوات إذا كان لهم إسهام قوي في الحياة البريطانية”.
ويقول علي القدومي لبي بي سي إن أسس الاستثناء من انتظار عشر سنوات تتضمن بعض الوظائف مثل الصحة، وعتبة الدخل بالإضافة إلى الأعمال الخيرية والتطوع لذلك يشجع القدومي المهاجرين على البحث عن فرص للتطوع وإن كانت محدودة، فإنها ستكون دليلاً على قابلية المهاجرين ونيتهم في الإسهام أكثر في المجتمع البريطاني.
في انتظار ما سيؤول إليه وضعها حسب القوانين الجديدة وتقييم إسهامها في الحياة في بريطانيا، تستعد هذه المهاجرة التونسية لأسوأ الاحتمالات: “إذا قررت الحكومة مضاعفة مدة حصولي على الإقامة الدائمة، سأغادر مع عائلتي في اليوم التالي”.

صدر الصورة، AFP via Getty Images
التعليق على الصورة، نشرت حكومة العمال برئاسة كير ستارمر في مايو/أيار الماضي ورقتها البيضاء لقوانين الهجرة، وهي مجموعة مقترحات لتعديلات تعتزم إدخالها على نظام الهجرة البريطاني.
“أبناؤنا لا يعرفون بلداً لهم غير بريطانيا”
كل من تحدثت إليهم من آباء وأمهات لأطفال يعيشون هنا منذ سنوات، يقولون إن أكبر مخاوفهم هي تأثر أطفالهم إذا انتهى بهم الأمر خارج بريطانيا.
ربيعة واحدة منهم، أتت إلى بريطانيا طالبة قبل سنوات مصحوبة بزوجها وابنتها الكبرى التي كانت حينها في عمر الرابعة ثم ولدت ابنتها الصغرى في بريطانيا.
“بالنسبة لابنتَي، بريطانيا هي حقّاً وطنهما الوحيد، دراستهما وأصحابهما وكل تفاصيل هويتهما متجذرة هنا. مجرد التفكير في إمكانية مغادرة هذا البلد بعد أن اتخذناه وطناً، أمر مفجع بالنسبة لنا”، تقول ربيعة التي تخشى الآن من أن يحرمها تغير القوانين من الحصول على الإقامة الدائمة في بريطانيا.
بالنسبة لبعض المهاجرين، المسألة تتجاوز بيئة الأطفال وعلاقاتهم إلى قلق حول إمكانية الاضطرار إلى نقلهم إلى بلدان يعتمد التعليم فيها لغة ونظاماً مختلفين تماماً.
فرجاء (اسم مستعار) التي دخلت بريطانيا طالبة عام 2023 معها زوجها وطفلها، تشعر بـ”الضياع” كما قالت.
“جئت بابني حين كان عمره ثلاث سنوات. يدرس هنا ولا يعرف غير الإنجليزية، كيف يمكنني أن أعود به إلى تونس حيث يعتمد التعليم على العربية ثم الفرنسية؟”.
في بلد عربي فرانكوفوني مثل تونس، المؤسسات التي تعتمد اللغة الانجليزية في التعليم نادرة، وإن وجدت تكون رسومها باهظة.
بعد انتهاء دراستها حصلت رجاء على تأشيرة الخريجين التي تسمح لمن تخرج من جامعات بريطانية بالبقاء في البلد لمدة عامين – تقلصت إلى 18 شهراً في التعديلات الأخيرة. ووجدت عملاً منذ فترة قريبة لكنها لا تزال في انتظار أن يوافق مشغلها على التكفل بتأشيرتها حتى حصولها على الإقامة. تشعر أن الأمر ازداد صعوبة مع القوانين الجديدة التي تقيد المؤسسات المشغلة والمهاجرين على حد سواء.
إذا تحول المقترح إلى قانون، تقول رجاء إنها قد تضطر إلى العودة لبلدها الذي غادرته قبل سنوات، بعد أن استقالت من عملها وباعت سيارتها واقترضت حتى تؤمّن ما تحتاجه من مال للهجرة إلى بريطانيا أملاً في بناء حياة جديدة أفضل لها ولعائلتها.
“بنيت حياة هنا، أراها الآن مهددة بالانهيار”
من مسارات الهجرة التي يعيش أصحابها قلقاً كبيراً، مسار الإقامة الطويلة أو ما يعرف بإقامة العشر سنوات في قوانين الهجرة البريطانية، وهو مسار يسمح لأصحابه بالحصول على الإقامة الدائمة بعد العيش عشرة أعوام بشكل قانوني ومتواصل في بريطانيا بغض النظر عن التأشيرات التي حصلوا عليها خلال تلك الفترة.
لم يرد في الورقة البيضاء مقترح إلغاء هذا المسار، ويستبعد القدومي أن يتم إلغاؤه ولا سيما بالنسبة لمن قاربوا عشر سنوات من الحياة في بريطانيا ولو على تأشيرات مختلفة، لكن عدم وضوح مصير المهاجرين عبر هذا المسار جعلهم يعيشون في قلق شديد.
فهدف الحكومة في تغيير كل ما يجعل الإقامة الدائمة “حقاً آلياً”، جعلهم يستعدون للأسوأ.
تجمع نحو 400 منهم في مجموعة على واتساب وأسسوا مجموعة دفاع تتواصل مع نقابات ونواب ومسؤولين وتحاول أن تجعل أصواتهم مسموعة علهم، إذا تحولت المقترحات إلى قوانين، يحصلون على إجراءت انتقالية تأخذ بعين الاعتبار السنوات الكثيرة التي قضوها في بريطانيا والحياة التي أسسوها هنا وقد دخل عدد منهم بريطانيا في سن الطفولة.
جاءت ليلى (اسم مستعار) من بلدها في الشرق الأوسط إلى بريطانيا قبل أن تبلغ سن السابعة عشرة بتأشيرة طفل طالب عام 2016. درست في بريطانيا وعملت طويلاً لتحقيق حلمها في أن تصبح مهندسة معمارية. حصلت على تأشيرة طالب حين بلغت الثامنة عشرة ثم تأشيرة الخريجين ثم تأشيرة العمال ذوي المهارات.
ومن المفترض أن تحصل ليلى على الإقامة الدائمة في بريطانيا بنهاية هذا العام.
لكن التغييرات المقترحة لقوانين الهجرة في بريطانيا بأثر رجعي باتت تهدد حياة ليلى واستقرارها.
“بريطانيا هي البلد الذي ترعرعت وكبرت فيه وفيه أسست حياتي المهنية والاجتماعية وبنيت صداقات وعلاقات محورية في حياتي، عودتي إلى بلدي ستزعزع استقراري كلياً. لم أكبر هناك ولا أعرف شكل الحياة فيها.” تقول ليلى لبي بي سي.
وفي حالة ليلى التي قاربت العشر سنوات من إقامتها في بريطانيا، فهي تخشى أن لا يحتسب لها غير السنوات التي قضتها على تأشيرة العمل وهي تدفع ضرائب. وإذا حدث ذلك، فعليها أن تنتظر 8 سنوات أخرى مشروطة بتمويل المؤسسة التي تعمل بها لإقامتها. إذا لم يستوف ذلك الشرط تعتبر إقامتها لاغية وعليها أن تغادر بريطانيا.
“أنا مثلية الجنس، وعودتي إلى بلدي محفوفة بالتهديدات لامرأة في وضعي” تقول ليلى التي ترى أن إقامتها الدائمة في بريطانيا هي التي تمنحها “وطناً وإحساساً بالانتماء”.
وصلتني من أعضاء المجموعة ست عشرة رسالة، كل يحكي قصته ويجمع بينها نفس الإحساس بالقلق وعدم الاستقرار.
“امتحان اللغة حرمني من عائلتي لسنوات”
رفع مستوى اللغة الإنجليزية المطلوب وجعل امتحانات اللغة للمهاجرين أصعب، واحد من التعديلات المقترحة، قد يقضي تماماً على أمل علي في الاجتماع بعائلته.
علي مواطن تونسي بريطاني، دخل بريطانيا عام 1999 وحصل بعد مدة على الجنسية. تزوج من تونسية عام 2011 لكنه منذ ذلك الوقت يحاول أن تلتحق به زوجته وأبناؤه الذين يعيشون في تونس بعد أن فشلت الزوجة في اجتياز امتحان اللغة الإنجليزية مرات عدة على مدى سنوات، ولم تحصل بالتالي على تأشيرة للالتحاق بزوجها.
يقول علي إنه ينتابها الخوف كل مرة قبل دخول الامتحان فتفشل في اجتيازه رغم كل جهودهما لتعليمها اللغة.
حاول علي بكل الطرق الحصول على المساعدة حتى تتمكن زوجته من القدوم إلى بريطانيا، لكن اجتياز امتحان في اللغة الإنجليزية واحد من شروط الحصول على تأشيرة الالتحاق بالزوج، يعتبر ملف التأشيرة ناقصاً بدونه ويرفض.
“انهرت ومرضت نفسيا! أي حياة هذه التي أعيشها عبر الهاتف مع أولادي وزوجتي منذ 14 عاماً؟” يسأل علي الذي يقول إنه يعاني الآن من اكتئاب حاد.
يضطر علي للسفر إلى تونس فترات طويلة ليرى عائلته. لذلك لا يستطيع الالتزام بوظيفة بدوام كامل في بريطانيا. يعمل أعمالاً يدوية متفرقة لبضعة أشهر يجمع فيها قليلاً من المال يعود به إلى عائلته.
ومع تشديد القوانين الجديدة لمتطلبات اللغة ورفع الحد الأدنى للدخل المطلوب للمقيمين في بريطانيا لاستقدام عائلاتهم، يشعر علي بأن الأمل في لمّ شمل أسرته بات معدوماً، ويجد نفسه، بعد خمسة وعشرين عاماً من العيش في البلد الذي يحمل جنسيته، يفكر في البحث عن وجهة أخرى.

صدر الصورة، Wiktor Szymanowicz/Future Publishing via Getty Image
التعليق على الصورة، وزيرة الداخلية البريطانية، شبانة محمود
تؤكد وزيرة الداخلية البريطانية، شبانة محمود في كل تصريحاتها أن “الهجرة ستبقى جزءاً حيوياً من قصة بريطانيا”. لكنها ترى أن “الاستقرار الدائم في هذا البلد ليس حقاً، بل امتيازاً. ويجب أن يُكتسب”.
في هذا الإطار، يتكرر في معظم الشهادات التي سمعتها من المهاجرين سؤال واحد: «اندماجنا في المجتمع، نُسهم في الاقتصاد ونلتزم بالقانون… فماذا يُطلب منا أكثر من ذلك لنستحق هذا الامتياز؟»
