لم تبدأ الحكاية من حلم غامض أو رغبة مفاجئة فى كسر القواعد، بل بدأت من طريق واضح ومستقيم، طريق يبعث على الاطمئنان، ويُرضى التوقعات، ويُصنَّف اجتماعيًا باعتباره «الطريق الصحيح».. منذ سنواتها الأولى، كانت ابنتى مختلفة فى هدوئها، وفى طريقة فهمها للعالم. عقل تحليلى مبكر، التزام شديد، وقدرة لافتة على التركيز والاستمرار.. اختارت دراسة الـFinance، ليس باعتباره مجالًا سهلًا أو شائعًا، بل لأنه المجال الذى ينسجم مع طبيعتها، ويحتاج إلى دقة، وانضباط، وصبر طويل.
درست الـ Finance دراسة أكاديمية كاملة، ثم واصلت مسارها العلمى حتى حصلت على درجة الماجستير من Kingston University فى إنجلترا، وكانت من الأوائل على دفعتها.. لم يكن تفوقها تفوقًا عابرًا، بل مسار متصاعد جعلها تنهى مراحلها الدراسية فى سن مبكرة جدًا، حتى إنها حصلت على الماجستير وهى فى حدود الحادية والعشرين من عمرها، نتيجة نبوغها الدراسى وتسارع مسارها الأكاديمى.. فى تلك المرحلة، كانت تمتلك ما يسعى إليه كثيرون بعد سنوات طويلة: علمًا راسخًا، وشهادة قوية، ورؤية واضحة للمستقبل.
كان حلمها فى تلك السنوات محددًا لا لبس فيه. كانت ترى نفسها فى القطاعات المالية الكبرى، وبالأخص فى البنوك التجارية والاستثمارية.. عالم منظم، له قواعده الصارمة، ومساره الوظيفى الواضح، ومكانته الاجتماعية المرموقة.. لم يكن هذا الحلم منفصلًا عن واقعها، بل كان مدعومًا بتفوق حقيقى، ولذلك لم تتأخر العروض.. جاءت الفرص من أكبر البنوك، بعناوين قوية، ومسميات وظيفية محترمة، ودخول شهرية تصل إلى عشرات الآلاف من الجنيهات.. من الخارج، كانت الصورة مكتملة تمامًا: فتاة متفوقة، تعليم أجنبى، مستقبل مضمون، وأمان وظيفى يحلم به كثيرون.
دخلت هذا العالم، وعملت فيه، ونجحت فيه. كانت تؤدى عملها بكفاءة، وتفهم الأرقام، وتتحرك بثقة داخل منظومة تعرف جيدًا كيف تكافئ الانضباط، لكنها مع الوقت بدأت تكتشف حقيقة لم تكن واضحة فى البداية: أن المال، مهما كان مهمًا، لا يجيب وحده عن كل الأسئلة، وأن الوظيفة، مهما كانت مرموقة، قد لا تكون المكان الذى يشعر فيه الإنسان بالانتماء الكامل.. لم يكن النفور من العمل ولا الرفض للنجاح، بل شعور داخلى هادئ بأن هناك مساحة لا يمسها هذا العالم، مهما بدا مكتملًا من الخارج.
فى المقابل، كان هناك اهتمام آخر يتشكّل ببطء، دون ضجيج. اهتمام لم يبدأ كقرار، بل كملاحظة. كانت تراقب شكل الملابس التى ترتديها السيدات العاملات، تراقب البدلات الرسمية، والقصّات الدقيقة، والخطوط الواضحة، وكيف يمكن لقطعة ملابس مصممة بعناية أن تمنح المرأة حضورًا مختلفًا. كانت ترى أن الفورمال وير ليس مجرد زى، بل لغة تعبّر عن القوة والاحترام والجدية، دون أن تفقد الأنوثة أو الرقى. كانت تلاحظ كيف يمكن للملابس أن تغيّر طريقة وقوف المرأة، ونبرة صوتها، وحتى نظرة الآخرين إليها.
شيئًا فشيئًا، أدركت أن حبها الحقيقى لم يكن فى الوظيفة نفسها، بل فى هذا العالم الموازى. عالم الفاشون، لا كموضة عابرة، بل كصناعة كاملة، لها قواعدها وحرفيتها وتأثيرها العميق. هذا الإدراك لم يأتِ فجأة، بل كان نتيجة سنوات من التفكير والمقارنة والملاحظة الصامتة. وبعد سنوات من الدراسة والعمل، فهمت أنها مهما نجحت فى المجال المالى، فإن قلبها سيظل معلقًا بهذا الشغف الذى لم تجد له اسمًا فى البداية.
القرار لم يكن سهلًا، فالتخلى عن طريق مضمون أصعب بكثير من البدء من الصفر. لكنها اختارت الصدق مع نفسها. لم تتعامل مع الفاشون كحلم رومانسى أو رغبة مؤقتة، بل كمهنة تحتاج إلى تعلّم حقيقى، وصبر، واحترام للتفاصيل. لذلك قررت أن تبدأ من الداخل، من حيث لا يرى أحد. ذهبت لتعمل فى أكثر من مكان اختصاصي فى صناعة البراندات، أحيانًا من دون أى مقابل مادى، وأحيانًا أخرى بأجر بسيط لا يعكس حجم الجهد المبذول. لم تكن تبحث عن المال، بل عن المهارة الكاملة.
على مدار سنوات، عاشت فى الكواليس. تعلّمت كيف يولد البراند من فكرة، وكيف يتحول الرسم إلى باترون، وكيف يصبح القماش قطعة متكاملة.. تعلّمت اختيار الخامات، وفهم القصّات، وضبط التشطيب، ومراقبة الجودة، وإدارة التفاصيل الصغيرة التى تصنع الفارق الحقيقى بين منتج عادى وآخر محترف.. كانت تلك السنوات استثمارًا صامتًا، قاسيًا أحيانًا، لكنه ضرورى. سنوات بنت فيها نفسها قبل أن تبنى اسمًا، وتعلّمت فيها أن الطريق الحقيقى لا يُختصر.
ومن هذا التراكم الطويل، بدأت الرؤية تتبلور بوضوح. لم تكن تريد علامة عامة ولا موضة سريعة، بل علامة مختصة تجمع بين الأناقة والرسمية، وتناسب الأعمار الصغيرة قبل بداية العمل، حين تبحث الفتاة عن ثقتها الأولى، كما تناسب سنوات العمل المتقدمة، حين تصبح الأناقة امتدادًا للتجربة والحضور.. كانت ترى أن القطعة الجيدة لا تُحبس فى سياق واحد، بل تمشى مع المرأة فى مراحل حياتها المختلفة.
تصميمات تصلح للعمل، وتنتقل بسلاسة إلى لقاءات الكوكتيل، وتحضر بأناقة محترمة فى المناسبات.. ملابس تعيش مع المرأة، لا تفرض نفسها عليها، بل ترافقها.. تجمع بين الرقى والاحترام والشيك، وتحمل بصمة خاصة تميّز هوية الفتاة والمرأة المصرية فى جميع الأعمار.. لم تكن تريد أن تغيّر المرأة نفسها لتناسب الملابس، بل أن تصمّم الملابس لتخدم المرأة كما هى، فى قوتها وهدوئها معًا.
من هذه الفلسفة وُلد اسم البراند «AZALEIA»:اسم يحمل معنى الاستمرارية والجذور والأنوثة الهادئة. براند مصرى ١٠٠٪، تصميمًا وتنفيذًا وتشطيبًا. تشطيب مصرى ينافس أسماء عالمية كبيرة فى عالم الفورمال وير، وربما يتفوّق عليها فى فهم احتياجات المرأة العاملة فى بيئتها الحقيقية، دون تقليد أو ادعاء.
وأمس، السبت، لم تعد تلك الفتاة التى تتعلّم فى الظل.. أصبحت واحدة من العارضين ببراندها الخاص. وقفت قطع AZALEIA أمام الناس، لا كمنتجات فقط، بل كشهادة على رحلة طويلة من الاختيار الواعى، والصبر، والتعلّم، والتنازل المؤقت. كل قطعة تحمل خلفها سنوات من العمل بلا مقابل، وسنوات من الإيمان بأن البناء الحقيقى يحتاج إلى وقت.
وهنا يصبح من الضرورى التوقف عند توصيف القصة نفسها. هذه ليست قصة امرأة وصلت، بل قصة فتاة ما زالت فى بدايتها. فتاة فى السابعة والعشرين من عمرها، اسمها هانيا محمد مصطفى، لم ترَ نفسها يومًا داخل إطار محدود، ولم تحلم بحلم صغير. منذ وقت مبكر، كانت ترى نفسها أبعد من السوق المحلية، وأبعد من فكرة الاكتفاء بما هو متاح، حتى وإن بدا الطريق طويلًا.
هانيا لم تحلم بالشهرة، بل بالمستوى.. كانت ترى نفسها يومًا ما أحد العارضين فى مساحات عالمية كبرى مثل Harrods وSelfridges، لا كحلم عابر، بل كمسار منطقى يحتاج لوقتٍ وبناءٍ حقيقيٍّ. حلم قائم على احترام الحرفة، وإتقان الطريق، والإيمان بأن العالمية لا تعنى الذوبان، بل الثبات على الهوية.
وفى قلب هذه الرحلة، كان هناك قرار لم يُتخذ مرة واحدة، بل يتجدد كل يوم: أننى لم أقف يومًا فى طريقها، ولم أقل لها «لا» بدافع الخوف أو القلق أو الرغبة فى الحماية الزائدة. كنت أسمعها، لا لأصحّح لها، بل لأفهمها. أستمع لما تريده، لما تؤمن به، ولما تشعر بأنه يشبهها، حتى وإن كان الطريق أطول مما نتخيل.
كنت مؤمنة بأن الأحلام الحقيقية لا تُقاس بالسرعة، بل بالصدق، وأن ما يحتاج لوقت يستحق هذا الوقت. لذلك لم أتعجلها، ولم أطلب منها نتائج سريعة، ولم أضع لها سقفًا زمنيًا لما يجب أن تصل إليه.. كنت أؤمن بأن منح الوقت هو فى ذاته شكل من أشكال الثقة.
وهذا ما يجعلنى أؤمن اليوم أكثر من أى وقت مضى بأننا نحتاج لأنْ نعطى البنات الوقت؛ الوقت ليفكّرن، وليجرّبن، وليخطئن، وليتعلمْن، وليصبرْن على الطريق الذى اخترْنه. لأن الثقة لا تُبنى بالضغط، بل بالمساحة، وبالإيمان بأن ما تحلم به الفتاة يمكن أن يكون حقيقة.
وسأظل أعطيها كل الوقت الذى تحتاج إليه، بلا استعجال وبلا خوف، حتى تصل إلى ما تريده هى، لا ما يريده الآخرون لها. لأن الوصول الحقيقى لا يكون حين نصل سريعًا، بل حين نصل ونحن ما زلنا نشبه أنفسنا.
واليوم، بعد أن رأيت النتيجة، وبعد أن رأيت AZALEIA تقف على أرض صلبة، بتصميم مصرى، وتشطيب محترم، ورؤية واضحة، أستطيع أن أقول بثقة إن الطريق إلى هذا الحلم لم يعد بعيدًا كما كان يبدو فى البداية. لم يعد مجرد تصور، بل أصبح مسارًا له ملامح وخطوات ووقت. أصبح حلمًا يمكن قياسه بالعمل، لا بالأمنيات.
هذه القصة ليست عن ترك البنوك، ولا عن مقارنة المال بالفاشون. هى قصة فتاة امتلكت كل الأسباب لتبقى فى الطريق الآمن، لكنها اختارت الطريق الذى يشبهها. قصة فتاة لم ترفض النجاح، بل أعادت تعريفه. لم تهرب من العلم، بل استخدمته. ولم تتخلَّ عن العقل، بل جعلته أساسًا للإبداع… وهذه، فى جوهرها، ليست نهاية القصة، بل بدايتها الحقيقية.
