Published On 3/2/20263/2/2026
|
آخر تحديث: 21:10 (توقيت مكة)آخر تحديث: 21:10 (توقيت مكة)
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي
share2
ينتمي فيلم “يونان” لنوعية أمست نادرة في الوطن العربي، وهي السينما التأملية التي تجنح إلى الأسئلة الوجودية أكثر من مجرد سرد حكائي تقليدي، فلا يعتمد على الأحداث قدر ما يراهن على الحالة، وبناء عالم بصري يعكس أزمة الشخصية الرئيسية في تجربة سينمائية هادئة وبطيئة الإيقاع.
الفيلم من تأليف وإخراج أمير فخر الدين ضمن إنتاج دولي مشترك بين عدة دول عربية وأوروبية، وبطولة جورج خباز إلى جانب هانا شيغولا.
اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
عُرض “يونان” عالميا لأول مرة ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي الدولي (Berlin International Film Festival)، قبل أن يجوب عددا كبيرا من المهرجانات الدولية والعربية، وحصد جوائز مهمة، ويُعرض الآن تجاريا بشكل محدود.
عربي يبحث عن الخلاص في جوف الحوت
يفتتح فيلم “يونان” بتعريف بسيط بالشخصية الرئيسية من خلال محادثة هاتفية مع أهله، ليعرف المتفرج أن بطله خلال الساعتين القادمتين من عمر الفيلم رجل في منتصف العمر، يعيش في أوروبا وحيدا، لا مكالمة العائلة أو لقاء الحبيبة يخففان من الحزن الذي يغمره، حزن يصعب وصفه، فهو يحيطه كعباءة شفافة لكنها ثقيلة تثبته في الأرض وتجعل خطواته تزن جبالا.
يقرر منير (جورج خباز) التحلل من كل شيء، ترك الحياة نفسها خلفه، فيسافر إلى جزيرة نائية على أطراف بحر الشمال بدافع يبدو منذ اللحظة الأولى غامضا ومثقلا باليأس، لا يقدم الفيلم دوافعه بشكل مباشر، بل يتركها تتكشف تدريجيا عبر نظراته ووحدته، وعلاقته المتوترة بالعالم من حوله، في سرد يقوم على الإيحاء أكثر من التصريح.
وينطلق الفيلم من فقدان يتمثل في غياب الوطن واستحالة التعويض عنه، ليحول رحلة منير إلى تأمل طويل في معنى الانتماء والعزلة ومحاولات الإنسان اليائسة لإيجاد سبب كاف للاستمرار، وفي نزل عائلي صغير على حدود بحر الشمال، أبعد مكان استطاع منير الوصول إليه، ينغمس منير في حزنه الغامر، ويظن أن نهاية حياته على الأبواب، غير أن حاله يتغير عندما يبدأ بالتواصل مع صاحبة النزل وأهالي القرية بشكل بطيء.
ليس من قبيل الصدفة أن يختار أمير فخر الدين عنوان “يونان”، فالكلمة نفسها تحمل بعدا رمزيا عميقا يتقاطع مع قصة النبي يونس، التي يتردد صداها في مشاعر البطل، فمنير رجل يغوص في ظلمة وحدته كما لو أنه في بطن حوت مجازيا، يبحث عن أي نوع من الخلاص، سواء بالتحسن أو الموت.
ولا يمكن قراءة “يونان” بمعزل عن المشروع السينمائي الأوسع الذي يعمل عليه أمير فخر الدين، والذي يمكن اعتباره ثلاثية عن الوطن والمنفى، بدأت بفيلم “الغريب” وتُستكمل في “يونان”، ويعمل الآن على المشروع الثالث في هذه الثلاثية.
في هذا المشروع لا يظهر الوطن كمكان ثابت أو باعث للحنين، بل كفكرة مكسورة أو مستحيلة الاستعادة، فخر الدين، المخرج السوري المولود في أوكرانيا لوالدين من الجولان والمقيم في ألمانيا، يحمل في تكوينه الشخصي ذاته هذا التشظي الجغرافي وفي الهوية، وهو ما ينعكس بوضوح في أفلامه، فشخصياته لا تنتمي بالكامل للمكان الذي تعيش فيه، ولا تستطيع العودة إلى المكان الذي خرجت منه.
السينما الشعرية في “يونان”
ينتمي “يونان” بوضوح إلى ما يمكن تسميته بالسينما الشعرية (Poetic Cinema)، وهي سينما لا تسعى إلى حكي قصة مكتملة الأركان بقدر ما تحاول الإمساك بحالة شعورية أو التقاط إحساس عابر، وتركه يتردد داخل المتفرج. في هذا النوع من السينما لا تُقاس قوة الفيلم بتعقيد الحبكة أو كثافة الأحداث، بل بقدرته على خلق إيقاعه الداخلي الخاص، وصور ودلالات ورموز، ومن هنا أتت تسمية السينما الشعرية التي تجعل الفيلم مثل قصيدة شعرية لا تُفهم كاملة من القراءة الأولى، ولا يفهمها الجميع بشكل متساو، بل تترك أثرا مختلفا عند كل شخص.
يستخدم أمير فخر الدين الشعر هنا بوصفه مدخلا مباشرا لقراءة الفيلم، من خلال استدعاء أبيات للمتنبي في بدايته، لا كزخرفة ثقافية، بل كاختصار مكثف لحالة الفقد والاغتراب التي يعيشها البطل، فيتحول المتنبي وأبياته إلى صوت يوازي حالة منير، ويضع المتفرج منذ اللحظة الأولى أمام فيلم يُفكَّر فيه بقدر ما يُشاهَد.
لكن شعرية فيلم “يونان” لا تتوقف عند أشعار المتنبي، بل تمتد إلى الصورة نفسها، الكاميرا لا تلاحق الأحداث بل تراقب الشخصيات من مسافة، ووسط طبيعة قاسية وباردة تعكس العالم الذي يعيش فيه منير داخليا وخارجيا. البحر والضباب والفراغات الواسعة واللقطات الطويلة كلها عناصر تُستخدم لبناء مزاج عام تتحول فيه الطبيعة إلى مرآة للحالة النفسية، لا خلفية محايدة، وتقوم الصورة السينمائية بما يتوجب عليها القيام به، أي تصبح لغة قائمة تحمل ما تعجز الكلمات عن قوله.
تكتمل هذه الشعرية عبر شريط الصوت الخاص بالفيلم، وقد غلب عليه الاقتصاد الشديد في استخدام الموسيقى وحتى الحوار، ما يفسح المجال للأصوات الطبيعية مثل الرياح وخطوات الأقدام وصرير الأبواب. هذا الصمت ليس فراغا، بل عنصرا دراميا أساسيا، يمنح المتفرج فرصة لإبطاء دقات قلبه لتتناسب مع إيقاع الفيلم البطيء، وعيش تجربة عزلة منير بدلا من مراقبتها من الخارج.
أما على مستوى التمثيل فيقدم جورج خباز أداء هادئا يعتمد على الجسد والنظرات أكثر من الحوار، فمنير على مدار الفيلم لا يشرح ألمه نهائيا ولا يبرره، بل يتركه يتسرب للمتفرج عبر تفاصيل صغيرة ونظراته الشاردة، ويقابله أداء أيقونة السينما الألمانية هانا شيغولا، التي تقدم في الفيلم دورا رقيقا للمرأة العجوز التي لا تحمل خلاصا لألم منير أكثر من أنها تصحبه بهدوء في رحلته التي يحدد خلالها وجهته النهائية في الحياة.
فيلم “يونان” ليس تجربة سهلة أو مريحة، ولكنه تجربة صادقة، تتطلب من المتفرج الصبر والانفتاح، وتكافئه بإحساس يندر اليوم، وهي أن السينما ما زالت قادرة على أن تكون مساحة للتأمل، ومكانا للإصغاء للصمت، ومرآة لقلق العربي المهاجر الذي يحمل وطنه كجرح لا يندمل أينما ذهب.
