لا يبحث الناقد المغربي نور الدين صدوق عن أول رواية عربية في التاريخ، بل عن الكيفية التي اخترع بها النقد فكرة “الأول”، وكيف صار هذا “الأول” دوغما تاريخية يمكن تحطيمها باقتفاء المتاهات التي تطرحها التلقيات المتعددة. ويضع في كتابه “الرواية العربية: النقد الأدبي وإشكالية البدايات” (الآن ناشرون وموزعون، 2025) رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل في مقام الجرح النقدي، إذ يحولها من معطى تاريخي بسيط إلى عقدة إبستمولوجية كاملة. فالبداية منطقة توتر بين “التأصيل” و”التشكل”، كما أن ما نسميه “بداية” ليس سوى ترتيب ثقافي، ما دامت الرواية العربية لم تولد دفعة واحدة، بل تسللت إلى الوجود عبر نصوص مترددة ومفتوحة على أكثر من نسب. 

وتأسيساً على ذلك، يسجل صدوق، في مقدمة الكتاب، تفاعل الاختلافات حول “البداية” وروائية الرواية، وكأن ثمة تراكمات سابقة تدفع لبناء المقارنات بين رواية “زينب” التي صدرت عام 1914 وما سبقها أو لحقها من كتابات، لافتاً إلى أن الاهتمام بهذه الرواية لم يمتد ليشمل الرواية الثانية لهيكل “هكذا خلقت”. ومن ثم، لا يتردد في القول إن مسعاه وراء تأليف هذا الكتاب هو “الوقوف على نماذج من هذه “التلقيات” التي أولت عنايتها بإشكالية التأسيس، وإعادة النظر في بدايات تشكّل السرد العربي وما انبثق عنه من تفاعلات أدبية ونقدية؛ وهي تفاعلات، على الرغم من اختلافها وتباين منطلقاتها، تظل كاشفة ومضيئة لجوانب ظلت زمناً طويلاً، معتمة في مسار الأدب العربي الحديث.

ويعتبر الكاتب أن “ميلاد الرواية العربية” عقدة نظرية وثقافية، تتقاطع فيها رهانات النقد وتصورات الحداثة وتمثلات التحول من أنساق تعبيرية سابقة إلى شكل روائي جديد فرض نفسه باعتباره أفقاً مغايراً للكتابة والتلقي معاً. وهو ما دعاه إلى مساءلة ما راكمه النقد العربي من تلقيات للرواية العربية، تلك التلقيات التي جعلت من نص “زينب” نقطة ارتكاز في الحديث عن نشأة الرواية العربية الحديثة. 

يناقش الكتاب تشكّل السرد العربي وما انبثق عنه من تفاعلات
 

ومن هذا المنظور، يعتبر صدوق أن “البداية” سيرورة تشكل، تتداخل فيها الحاجة إلى التعبير، والتحولات في الوعي بالذات والعالم، والاحتكاك بالآداب الغربية، مما يؤكد أن الرواية العربية لم تولد من فراغ، ولا من محاكاة ساذجة، بل من علاقات ثقافية مفتوحة ووعي بالذات وحوار مع الآخر.
انتهى المؤلف إلى أن رواية “زينب” نص مفصلي في تاريخ تشكّل الرواية العربية الحديثة، غير أن هذا التمثيل ظل، في جوهره، مثار أسئلة قَلِقة، واختلافات وتباينات، لا تعود في عمقها إلى ما يخدم الأدبي بقدر ما تحيل على رهانات أيديولوجية صريحة أو مضمرة. ذلك أن عدداً من الدراسات، الرصينة منها والانطباعية، سعت إلى نفي اعتبار “زينب” نواة تأسيسية للسردية العربية في مصر، مفضِّلة تنسيب “البداية” إلى القطر الذي تنتمي إليه وجهة النظر النقدية ذاتها.

وينبه الكاتب إلى أن التركيز على إشكالية البداية وتمظهراتها، ومنح نص “زينب” قيمة ومكانة معتبرتين، لم يفضِ إلى إفراد دراسة جامعة لرواية هيكل الثانية “هكذا خُلِقت”. على الرغم من أن التجربتين تنطويان على خصائص أدبية وأسلوبية دالّة على تمكن وكفاءة واقتدار في الكتابة الروائية، بحكم سعة المعرفة والاطلاع الأدبي والفلسفي للمؤلف.

لا يتعامل نور الدين مع لحظة التأسيس بوصفها إنجازاً تاريخياً مغلقاً، خاصة أنه ظل يربط على امتداد الفصول بين إشكالية التأسيس وبين تطور الوعي بالكتابة الإبداعية؛ كما وضع الخطاب النقدي نفسه موضع مساءلة، إذ يكشف كيف أن كثيراً من القراءات المؤسسة للرواية العربية كانت مشروطة بسياقاتها الأيديولوجية والمنهجية، وكيف أن الحديث عن “البداية” كثيراً ما كان تعبيراً عن رغبة في الضبط والتأريخ أكثر منه استجابة لتعقيد النصوص وتحولاتها. 

يأتي هذا الكتاب امتداداً لمسار نقدي متماسك بدأه المؤلف منذ سنة 1984 بكتابه “حدود النص الأدبي: دراسة في التطبيق الإبداعي”، وتواصل عبر أعمال منها “النص الأدبي: مظاهر تجليات الصلة بالقديم”، و”عبد الله العروي وحداثة الرواية”، و”البداية في النص الروائي”، و”الغرب في الرواية العربية”، و”الرواية وإنتاج الوعي: دراسة في لعبة النسيان”، و”الذات والعالم: دراسة في اليوميات”، و”السردية العربية وإشكالية التأسيس”، و”القارئ والتأويل”.