شتاينبك في منزله بساغ هاربور بالقرب من نيويورك، 5 نوفمبر 1962 (Getty)

منذ بداية عام 2026، دخلت أعمال كلاسيكية معروفة إطار الملكية العامة، بعد مرور أكثر من 95 عاماً على حقوقها الأصلية، ما أتاح إعادة نشرها عبر دور نشر عالمية بدأت بتقديمها ومنحها مكاناً اليوم على رفوف المكتبات رغم تكريسها سابقاً في العديد من الطبعات وعبر المسرح والتلفاز والسينما، ومن بينها روايات بارزة لكتّاب كبار، إلا أن حضورها المتكرر يستدعي السؤال عن الكلاسيكيات التي تفرض وجودها في الثقافة العالمية بين زمن وآخر؟ 

دعاية ثقافية

بعد إطلاقها رواية “مرتفعات ويذرنغ” للكاتبة البريطانية إميلي برونتي في طبعة جديدة، تستعد دار “بنغوين” خلال الشهر القادم لطباعة رواية “كل شيء هادئ على الجبهة الغربية” للكاتب الألماني إريك ريمارك، فيما أعيد نشر روايتَيْ “وأنا أحتضر” لويليام فوكنر، و”الصقر المالطي” للكاتب داشيل هاميت في منصة “كتب رقمية معيارية”. وفي الوقت نفسه، تقدم “مكتبة أميركا” إحد أبرز دور النشر الأميركية، الأعمال الكاملة لجون شتاينبك في طبعة فاخرة جديدة، أما “كلاسيكيات هاربر ميوز”، فإنها تعمل على طبع ملحمة الأوديسة وتقديمها إلى القراء في الأشهر الثلاثة المقبلة.

دور النشر هذه وغيرها تحاول تعريف الأعمال الكلاسيكية بمنظور محدد، إذ تبني دعاية متكررة لمجموعة من الكتب، مثل روايات تشارلز ديكنز أو جين أوستن وسواهما، مثلما تفعل “ماكميلان” بالقول إن هذه الأعمال “تصوغ ببراعة موضوعات إنسانية كونية مثل الحب، والأخلاق، والموت، وتجسد بتميز حقبة تاريخية وموقعاً جغرافياً بعينه”. 

تسهم مسألة انتهاء حقوق الملكية في الإقبال على نشر هذه الكتب

أما دار “بنغوين”، فإنها تعتمد منظوراً شمولياً يحاول تجاوز حدود أوروبا، والتركيز على النصوص والمؤلفات الأساسية للحضارات والشعوب عبر التاريخ، ويجمع كتاب “كلاسيكيات بنغوين” الذي ألفه مسؤول التحرير في الدار، هنري إليوت، أعمالاً كثيرة تبدأ بملحمة جلجامش، وصولاً إلى القرن العشرين. 

تسهم مسألة انتهاء حقوق الملكية في إقبال دور النشر على إصدار هذه الكتب وبث دعاية ثقافية من هذا النوع لجذب القراء، الذين يستقبلون الكلاسيكيات في معظم الأحيان بتلقائية، وحين يفتخر أحدهم بقراءة أحدها، فإنه لا يتوقع أن يلقى نقاشاً بخصوص هذه التفضيلات الراسخة في تاريخ الثقافة العالمية، إلا أن الموضوع لا يقف عند هذا الحد، بل تكمن خلفه أسباب أخرى ثقافية وسياسية، تجعل الإجابة بخصوص ماهية الرواية الكلاسيكية وتكرار طباعتها أمراً خاضعاً لعدة احتمالات.

من يمتلك حق التعريف؟

يحاول الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو، تفسير جاذبية الأدب الكلاسيكي وأسراره واهتمام دور النشر والقراء به عبر كتابه “لماذا نقرأ الكلاسيكيات؟”، ويكثّف المفهوم من خلال أربع عشرة مقولة متنوعة شرحها جميعها، من أهمها أن العمل الكلاسيكي هو الذي “لا يمكنك أن تبقى غير مبالٍ تجاهه، والذي يساعدك في استكشاف ذاتك من خلال قبوله أو رفضه”، ويقول في موضع آخر من كتابه “الكتاب الكلاسيكي هو الذي يقدم مع كل إعادة قراءة، القدر نفسه من الإحساس بالاكتشاف كما في القراءة الأولى”. لكن هذه المقولات تفسر الأسباب الجمالية التي تزيد الجدل بشأن المفهوم، ما يستدعي الحاجة للبحث في الأسباب الأخرى وراء ما يقال لنا إنه كلاسيكي من عدمه.

يصنف الناقد والكاتب الأميركي هارولد بلوم في كتابه “التقليد الأدبي الغربي: مدرسة العصور وكتبها” 26 كاتباً أوروبياً واضعاً أعمالهم على أنها أهم الكلاسيكيات الأدبية عبر العصور، ويستثني أسماء عديدة من هذا التصنيف، مثل بلزاك وفيكتور هوغو ودوستويفسكي وآخرين، لأنه يرى فيمن اختارهم قدرة على تجسيد قومياتهم، أي إن كلاً منهم يحمل طابعاً ثقافياً مدعوماً بقوة سياسية ومؤسسية في الأصل، جعلت من المؤلف كاتباً يمثل ثقافة بلده، كموليير في فرنسا، أو شكسبير في بريطانيا.

هذه المنهجية التي اتبعها بلوم، تفتح المجال للكشف عن دور السياسة في تصنيف العمل الكلاسيكي وفرضه على أنه النص الذي يحمل عناصر العظمة. فمع صعود الفاشية مثلاً، منع موسوليني كتاب “علم الأخرويات الإسلامية في الكوميديا الإلهية” للكاتب ميغيل بالاثيوس، لأنه يشير إلى تأثر دانتي بالثقافة العربية الإسلامية. ما فعله موسوليني، مصحوباً بتدريس دانتي في المدارس والجامعات الإيطالية، وتصنيفه الذي يجسد الثقافة الإيطالية ولغتها بشكل خالص، أسهم في جعل أعماله نصوصاً نموذجية يعود إليها القراء والباحثون والنقاد بشكل متكرر عبر الزمن، وبالتالي فإنها أصبحت كلاسيكية بعد قرار سياسي صاحبَه التلقين في مناهج التعليم. 

ترسخت الإلياذة والأوديسة بدوافع سياسية وقومية لدى أوروبا

أحد أهم الأمثلة في ترسيخ العمل الأدبي بدوافع سياسية وقومية، هو الإلياذة والأوديسة، إذ يجسد اختيارهما عملين كلاسيكيين لأوروبا بُعداً قومياً، عبر وضع الدول الأوروبية تحت مظلة واحدة هي الحضارة الغربية، رغم الاختلاف الذي يجسده التراث الاسكندنافي مثلاً لا حصراً، إذ يمتلك مرجعيات أدبية وثقافية لا تتشابه مع باقي أوروبا.

تعريف عربي للكلاسيكيات؟

قد يكون الكتاب الكلاسيكي تاريخياً أو أدبياً وفلسفياً يطرح أسئلة الوجود، أو سياسياً قومياً يمكن فرضه، فهل يحصل هذا عربياً أيضاً؟ على سبيل المثال، يمكن استحضار كتاب “ألف ليلة وليلة”، الذي أعيد تحقيقه وأعيدت طباعته كثيراً، وترجم إلى لغات العالم، واعتُرِفَ به على أنه يمثل الثقافة العربية باعتباره كتاباً كلاسيكياً عظيماً. أيضاً، تعاد طباعة أعمال نجيب محفوظ، على أنها نموذج كلاسيكي متميز للرواية العربية. ولا توجد أمثلة كثيرة يمكن الرجوع إليها في هذا السياق، فتصنيف العمل الكلاسيكي محل خلاف بغياب الدوافع التي تميزه عن سواه، فمن هو شاعر سورية العظيم مثلاً؟ أو روائي العراق الذي تعد أعماله كلاسيكية؟ 

هل نحتاج حقاً إلى وجود أعمال كلاسيكية تجسد ثقافة كل بلد عربي؟ لا توجد إجابة واضحة، فالعرب سابقاً صنفوا أمهات الكتب في الأدب والعلم واعتبروها كلاسيكيات لا بد للجميع من قراءتها، ككتاب الكامل للمبرد مثلاً، أو العقد الفريد، وغيرهما. لكن هذه الكتب ليست محل اتفاق، ولا يوجد معيار واضح اليوم أيضاً وفق ما سبق من محاولات لتعريف الكتاب الكلاسيكي، إما لانعدام الحاجة إلى هذا الأمر، وإما لافتقار الوعي الكافي بأهمية اختيار أعمال معينة تجسد ثقافة كل بلد.