الجنوب، الذي اعتاد أن يقدّم الوطن على طريقته، يعود اليوم ليكتب اسمه بالفرح والفن، عبر فرقة “جذور” الجنوبية، التي حملت دبكتها اللبنانية وفولكلورها كما يحمل القلب أمله. من الأرض التي لا تنكسر، خرجت “جذور” لترقص الهوية وتهمس برسالة: رقصة تحمل الحب والدفء، صوت القرى وذاكرة الأجيال.

في مشاركتها في برنامج “يلا ندبك”، لم تكن مجرد فرقة، بل حالة فنية متكاملة، تصنع حضورها على المسرح وتضيء اسم الجنوب، لتثبت أن الفن قادر على التحدي، وأن الإبداع ينبع من الأرض، حتى في أصعب الأوقات. دبكة “جذور” ليست حركة جسد فقط، بل لغة حب وصوت حياة، تتجاوز الحدود لتقول للعالم: الجنوب حيّ، محبّ، قادر على الحلم، على المقاومة، وعلى أن يزرع الفرح في القلوب، خطوة بخطوة، إيقاعًا بإيقاع.

لم تجمع “جذور” الجنوبيين على الإعجاب فقط، بل وحّدتهم على الحب، وعلى فخرٍ مشترك بدبكة تحمل سحر الأرض وكرامة أهلها.

يشرح الراقص ومدير مواقع التواصل الاجتماعي في الفرقة، عباس حمزة، عبر “لبنان الكبير” أن: “اللقاءات الأولى كانت ضمن النشاط الكشفي، إذ إن جميع المشتركين كانوا سويًا في كشاف التربية الوطنية – فوج كفررمان، إلى أن أُتيحت لهم قبل ثلاث سنوات فرصة المشاركة في مسابقة دبكة في منطقة الشوف. بعدها، جاءت الصدفة التي غيّرت المسار، حين التقى أعضاء الفرقة بأحد العاملين على إنتاج برنامج “يلا ندبك” عبر شاشة MTV، ليبدأ التواصل ويُفتح الباب أمام تجربة جديدة على مستوى لبنان”.

ويشير إلى أن: “تضم “جذور” اليوم ثماني فتيات وثمانية فتيان، تتراوح أعمارهم بين طلاب مدارس وشباب يعملون من منازلهم، ليشكّلوا مزيجًا يعكس تنوّع الجيل الجنوبي. وكانت مشاركة الفرقة في “يلا ندبك” موضع فخر خاص، ليس فقط لكونها مساحة “إكسبوجر” لفرقة جنوبية، بل لأن “جذور” كانت الفرقة الجنوبية الوحيدة التي اجتازت تجارب الأداء، من بين 13 فرقة مشاركة من مختلف المناطق”.

لكن المشاركة لم تكن سهلة. فوفق حمزة، “الهدف الأساسي كان إيصال صورة مختلفة عن الجنوب، وإظهار الطاقات الكامنة فيه، في وقت تطغى فيه الأخبار الأمنية على كل ما عداها. إذ منذ تشرين الأول 2023، لم نعرف فرحًا كاملًا: القصف، الطيران، والاستهدافات المتكررة التي ألقت بثقلها على الحياة اليومية، وعلى التدريبات تحديدًا. وعلى الرغم من ذلك، كانت المشاركة قرارًا جريئًا”.

موضحًا أن: “التدريبات تُؤجَّل أحيانًا بسبب الأوضاع الأمنية، ومواقع التمرين تكون قريبة من أماكن الاستهداف، مع ضغط نفسي مضاعف، لا سيما أن الفرق مطالبة بتقديم عرض جديد كل أسبوع، ما ينتج عنه ضغط الظروف وضغط الأداء، لكننا كنّا نشدّ على بعضنا ونكمل”.

ويؤكد حمزة أن: “هذا الإصرار انعكس تميّزًا على المسرح. ففرقة “جذور” برزت بين الفرق المشاركة بأسلوبها ورسالتها، إذ لم يكن الهدف مجرّد استعراض حركي، بل إيصال رسالة واضحة: الجنوب موجود، وشبابه قادرون على الإبداع رغم كل شيء. وقد أثمر ذلك وصول الفرقة إلى مراحل متقدمة من البرنامج، من دون أن توضع يومًا في خانة الترشيح للخروج، في إنجاز يُعتبر فخرًا كبيرًا للفرقة وللجنوب”.

ويلفت إلى أن “المفارقة المؤلمة رافقت لحظات الفرح. ففي إحدى الحلقات، وبينما كانت الفرقة تحتفل بتأهّلها إلى ربع النهائي، تلقّى الأعضاء أخبارًا عن عشرات الغارات التي استهدفت الجنوب. لحظة تختصر التناقض القاسي بين الإنجاز والخوف، بين الفرح والقلق على الأهل والأصدقاء. كان ضياعًا حقيقيًا: هل نفرح أم نحزن؟”.

وعلى الرغم من هذا الضياع، تعود “جذور” إلى جوهرها: الدبكة كفعل بقاء، وكطريقة للتعبير عن التمسك بالأرض والهوية. كل لوحة قُدّمت حملت رسالة، سواء عن الدار، أو التاريخ، أو التراث الذي لا يزال حيًا في الخطوة والإيقاع. “نحن باقون، وكل رقصة وأغنية دبكنا عليها تحمل معها رسالة”.

لم يختَر شباب “جذور” المسرح هروبًا من الواقع، بل واجهوه بالخطوة والإيقاع. لم يرقصوا ليُصفَّق لهم، بل ليحملوا الجنوب في القلب، وليثبتوا أن الفرح ممكن حتى في أصعب الأوقات. في كل خطوة ضحكة، وفي كل إيقاع وعد بالأمل، وفي كل التفاف رسالة بأن الأرض حيّة، وأن الهوية صامدة. هكذا يضيء الإيقاع طريقهم، هكذا يُكتب حضورهم في كل زاوية وطن… جذور الجنوب، حين تمسك الدبكة بيد الوطن.

IMG-20260205-WA0059IMG-20260205-WA0059