لم يكد خبر مقتل الفنانة السورية هدى شعراوي، المعروفة بدور “أم زكي”، يُعلن عنه، حتى انزلقت المأساة من سياقها الإنساني إلى قضية جدلية تم قياسها بعدد المشاهدات والتفاعلات، لا بعمق الألم الذي خلّفته، ولا بالمسؤولية الأخلاقية في التعاطي مع الحادث. في هذا التحوّل، لم تُنتهك كرامة الضحية فحسب، بل جرى تفريغ الجريمة من بعدها الإنساني وتحويلها إلى مادة استهلاك رقمي بلغة عنصرية مقيتة.

في مواقع التواصل، نشرت بعض الحسابات محتويات مسيئة، وانتشر محتوى تعامل مع الجريمة بوصفها مادة للسخرية، حيث جرى الاستخفاف بالموت، والتعامل مع الفاجعة كموضوع للضحك أو التعليق، في انتهاك واضح لكرامة الضحية وعائلتها.

غير أن هذا الانزلاق لم يتوقف عند حدود السخرية، بل اتخذ منحى أخطر مع تصاعد خطاب التنميط والعنصرية ضد عاملات المنازل. فقد انتشرت مضامين ساخرة تُصوّر هذه الفئة كـ”مجرمات محتملات” أو كـ”تهديد دائم”، وتم الترويج لفكرة أن التعامل معهن يجب أن يكون قائماً على الخوف أو الاسترضاء. هذا الخطاب، حتى حين يُقدَّم في إطار المزاح، لا يمكن فصله عن كونه عنصرية مموّه، يحمّل فئة كاملة مسؤولية جريمة فردية، ويعيد إنتاج صور نمطية تبرّر الإقصاء والتمييز.

 

فُكاهة خطرة

تكمن خطورة هذا النوع من “الفكاهة” في كونه يمرّ من دون مساءلة، لأنه لا يقدّم نفسه كتحريض مباشر، بل كدعابة ومواد للضحك والنكات. غير أن أثره الاجتماعي عميق، إذ يرسّخ الخوف، ويطبع التمييز في الوعي الجمعي، ويحوّل الضحك إلى أداة عنف ناعمة. 

في المقابل، يُغفل هذا الخطاب واقع أن عاملات المنازل هن نساء يعملن بكرامة، يتركن أوطانهن وأسرهن في ظروف قاسية لتأمين لقمة العيش، ولا يمكن اختزالهن في صورة نمطية أو تحميلهن وزر أفعال فردية.

وإلى جانب الخطاب الساخر والتنميطي المتداول، برزت ممارسات أخرى في المنصّات الرقمية زادت من حدّة الانتهاكات، تمثّلت في قيام بعض المستخدمين بتصوير عاملات المنازل داخل البيوت أثناء عملهن، ونشر هذه الصور أو المقاطع من دون مراعاة لخصوصيتهن الرقمية، أو التأكد من موافقتهن على التصوير والنشر، بما يشكّل مساسًا واضحًا بحقوقهن وكرامتهن.

فرضيات واستنتاجات

مع انتشار خبر مقتل شعراوي، بادرت منصّات إلى تداول فرضيات واستنتاجات مباشرة قبل صدور أي موقف رسمي من الجهات المعنية، الأمر الذي أدخل القضية في دائرة التأويل الإعلامي، وفتح المجال أمام توظيف الجريمة في اتجاهات مختلفة، بعيدًا من الوقائع المؤكدة والمسار القضائي.

في هذا السياق، يبرز تعاطي بعض المنصّات الإعلامية والصفحات الإخبارية الذي ساهم، عن قصد أو نتيجة التسرّع، في تعقيد المشهد بدلاً من مقاربته بمسؤولية مهنية. فالصحافة ليست جهة إدانة، ولا تشكّل بديلاً من القضاء، ولا تملك صلاحية إصدار الأحكام، بل يقتصر دورها على نقل الوقائع كما هي، تفسيرها، مراقبة مسارها، والكشف عن المعلومات ذات الصلة، من دون تحويل الشبهات إلى وقائع أو ممارسة الإدانة المسبقة.

الألم مادة للاستهلاك

تكشف هذه القضية حجم الانفلات في التعاطي مع المآسي الإنسانية على الشبكات الاجتماعية وبعض ما يعرّف عن نفسه كمواقع إخبارية في الإنترنت. يتقدّم منطق التداول على حساب الكرامة، ويتحوّل الألم إلى مادة للاستهلاك. كما تبرز خطورة الخطاب العنصري والتنميطي الذي يُمرَّر أحيانًا تحت غطاء السخرية، ويُستخدم لتبرير الإقصاء وتحميل فئات كاملة مسؤولية أفعال فردية، بالتوازي مع انتهاكات متكرّرة للخصوصيات الرقمية. وبين هذا الخطاب، والتسرّع الإعلامي، وتجاوز الحق في الخصوصية، تضيع حقوق الضحايا، وتُمسّ كرامتهم، ويغيب عن هؤلاء الراكضين خلف موجات الترندات أي التزام بالمسؤولية المهنية والأخلاقية في التعاطي مع القضايا الإنسانية.