بعد مرور خمسة عشر عاماً على غيابها، لا يزال أثر الشاعرة والروائية أندريه شديد (أندريه صعب خوري)، حاضراً بقوة في المشهد الأدبي الفرنسي، إذ ظلت تكتب بإيقاع متواصل حتى قبيل رحيلها عام 2011، وهي في الحادية والتسعين، بعدما أصدرت آخر أعمالها الشعرية “بطانة الكون” (2010)، التي نقلت فيه تجربتها مع الزهايمر، كما أصدرت في العام نفسه روايتها الأخيرة “الميتات الأربع لجان دو ديو”.

وُلدت أندريه شديد في القاهرة عام 1920 وسط بيئة متعددة الجذور الثقافية، تنتمي إلى أصول لبنانية وسورية، قبل أن تستقر في باريس منتصف أربعينيات القرن العشرين إثر زواجها من الطبيب لويس أنطوان شديد، حيث أنجبت ولديها، المغني لويس، والتشكيلية ميشال؛ هناك اختارت كتابة قصائدها باللغة الفرنسية التي اعتبرتها مسكناً وجوديّاً لها، ونشرها بإيعاز من الشاعر الفرنسي الكبير روني شار. ثم بعد أن اشتد عودها الأدبي، نشرت باكورتها الشعريّة عام 1948 بعنوان “نصوص من أجل وجه”، تلاها “نصوص من أجل قصيدة”، و”نصوص من أجل الحي”، و”نصوص من أجل الأرض الحبيبة”، و”الأرض المرئية”، و”أرض الشعر”، و”نزوات”، وعشرات الدواوين وصولاً إلى “مغاور وشموس”، و”محن الكائن” و”كم جسداً وكم روحاً”، وإيقاعات”، ثم “بطانة الكون” الذي نشرته قبل عام واحد من رحيلها.

تنوّعت الأجناس الأدبية التي كتبتها، لكن الشعر ظلّ مركزياً عندها

ولم تقف أندريه شديد عند حدود الشعر، إذ خاضت غمار الأجناس الأدبية الأخرى، وتمكنت من إصدار ما يناهز 20 عملاً سردياً، ما بين رواية وقصة ومسرحية. ومن أشهر أعمالها الروائية “الرماد المعتق” (1952)، و”جونثان”، و”اليوم السادس”، و”الباقي على قيد الحياة”، و”الآخر”، و”المدينة الخصبة”، و”نفرتيتي وحلم أخناتون”، و”درجات الرمل”، و”المنزل من دون جذور”، و”الصبي المتعدد” (1989).

حظيت أندريه شديد بتكريمات أدبية رفيعة، من بينها جوائز شعرية وروائية مرموقة، مثل جائزة النسر الذهبي للشعر العام 1972، وجائزة غونكور للرواية العام 1979، إضافة إلى منحها وسام الشرف الفرنسي. ولم يقتصر هذا التكريم على الجوائز أو الأوسمة، بل امتد إلى المؤسسات التعليمية التي أدرجت نصوصها ضمن مقرراتها الدراسية، فضلاً عن تخليد اسمها عبر جائزة شعرية تحمل اسمها ويرعاها حفيدها الفنان ماثيو شديد.

ورغم هذا التنوع في الأجناس الأدبية، ظل الشعر المركز الذي تدور حوله تجربتها كلها. فقصائدها تكشف عن حضور شعري صاف، كأنه يستمد مادته من عناصر الكون نفسها. ذلك أن الكتابة عندها أشبه برحلة مستمرة بين الداخل والخارج، محاولة لاكتشاف المشاعر والأسئلة الوجودية عبر حركة دائمة تسعى إلى تحقيق نوع من المصالحة مع العالم. ولعل هذا ما حذا بها إلى القول إن “الشعر لا يحرر الإنسان فحسب، بل يساعده على مواجهة ذاته في عُريها الكامل، وعلى اختراق الجدران التي تحاصر وجوده”.

ينطوي شعرها على احتفاء واضح بالحياة والحركة، وعلى إيمان عميق بالإنسان بوصفه جوهر التجربة الكونية. ذلك أنها ظلت تخاطب الآخر باعتباره امتداداً للذات، وتدعو إلى لقاء إنساني يتجاوز الغربة والانفصال. تقول: “لِكثرة ما أكتبُني/ أكتشفُني شيئاً فشيئاً/ وأعثر عليه/ الآخر”.

لقد استطاعت أندريه شديد، عبر تاريخ من التجوال في كل أشكال التعبير، بناء مشروع أدبي أهّلها ليكون تأثيرها مستمراً داخل الأدب الفرنسي المعاصر، حيث تحتفظ نصوصها بقدرتها على مخاطبة القارئ من خلال أسئلة تتعلق بالهوية والحرية، في سياق إنساني شامل. كما تميزت، بحسب مجموعة من الدراسات النقدية، بالتداخل الثقافي، نتيجة انتماء أعمالها إلى فضاءين حضاريين مختلفين. ويتجلى هذا التداخل في حضور عناصر من الثقافة الشرقية داخل بنية نصوصها، مقابل تأثير واضح للتقاليد الفكرية الغربية.