مبنى “بي بي سي” في لندن، 8 أغسطس 2025 (مايك كيمب/ Getty)

    كشف صحافيون إيرانيون في المنفى يعملون لصالح هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” أنّ أجهزة الأمن الإيرانية تراقب تحركاتهم عن كثب، بينما يتعرض أقاربهم داخل إيران للاستجواب والتهديد ومصادرة الممتلكات، في محاولة لثنيهم عن مواصلة تغطية الاضطرابات والأوضاع الداخلية في البلاد.

    وأفادت صحيفة ذا غارديان البريطانية، اليوم السبت، بتلقيها معلومات عن حالات حُذّر فيها آباء صحافيين من أن الأجهزة الأمنية الإيرانية تعرف مكان عمل أبنائهم ومواعيد عملهم، بل وحتى مواقع مكاتبهم داخل غرف الأخبار. وأكد عاملون في “بي بي سي فارسي”، التي يصل بثها إلى نحو 30 مليون شخص أسبوعياً، أنّ الضغوط استمرت بعد موجة الاحتجاجات التي سقط فيها عشرات آلاف القتلى. وأُبلغ صحافيون بأنهم ما زالوا أهدافاً للأجهزة الأمنية الإيرانية رغم وجودهم في المملكة المتحدة، فيما لجأ بعضهم إلى اتخاذ تدابير أمنية إضافية بعد تلقي تهديدات بالقتل والخطف، واضطر آخرون إلى ترك العمل نتيجة الضغوط المالية المفروضة على أقاربهم داخل إيران.

    وروى أحد الصحافيين لـ”ذا غارديان”، طالباً عدم الكشف عن هويته خوفاً من “مزيد من الضغط على عائلته”، أن والده احتُجز وتلقى تحذيراً من قوات الأمن بأنها تراقب الصحافيين في الخارج. وقال: “كانوا يعرفون كل شيء عني بطريقة ما. أبلغوا والدي بأنهم يعرفون مكان إقامتي، وحتى أعطوه العنوان ورقم الهاتف، وأين أجلس تحديداً داخل غرفة الأخبار، وأي برنامج أعمل فيه، وأبلغوه بأنهم غير راضين عنه”، وأضاف أن عائلته تلقت تحذيراً بأنّ لندن “غير آمنة”.

    واستعادت الصحيفة البريطانية تهديدات موثوقة طاولت صحافيين إيرانيين في بريطانيا، بينها حادثة طعن مراسل خارج منزله في لندن. والعام الماضي، مثل ثلاثة إيرانيين أمام المحكمة بتهم استهداف صحافيين مقيمين في المملكة المتحدة، لكنّهم ينفون هذه التهم. ووفقاً للتقرير، ازدادت المخاطر عقب قطع شبكة الإنترنت في إيران في 8 يناير/ كانون الثاني الماضي، بعد نحو أسبوعَين من الاحتجاجات المناهضة للحكومة.

    وقال مراسل الشؤون الاقتصادية في “بي بي سي فارسي”، بهرنغ تاجدين، إنّ والدته احتُجزت وخضعت للاستجواب بشأن عمله، مضيفاً أنه لم يسمع منها لمدة ثلاثة أسابيع خلال فترة انقطاع الإنترنت. وأوضح أن “بعض التهديدات تبدو شديدة الجدية، وتصدر عن أشخاص قد لا يكونون داخل إيران، ما يعني أنهم قد يمتلكون القدرة على تنفيذ ما يلوّحون به”. ورجّح أنه “منذ عام 2022 بات النظام الإيراني يستعين بمجرمين من أطراف ثالثة لمحاولة إيذاء صحافيين وناشطين إيرانيين في بريطانيا”، وأضاف: “قد نعمل في المبنى نفسه، لكنّنا لا نعيش الشعور نفسه بالأمان. علينا أن نكون شديدي الحذر”، وأشار إلى أن أقارب بعض زملائه تلقوا تهديدات بسحب تراخيص أعمالهم أو دفعهم إلى التقاعد المبكر، وختم تاجدين بالقول: “لا أستطيع إحصاء عدد المرات التي جاءني فيها زميل بعينين دامعتين وهو يهمس: توفي أبي أو أمي ولم أستطع أن أكون هناك لوداعهم أو حضور جنازتهم. أو ما هو أسوأ، أن يُصاب أحدهم بمرض عضال ولا يستطيع أن يكون إلى جانبه. لا يمكنني التشديد بما يكفي: كل واحد منا يعرف أن أفراد عائلاتنا في إيران يُعاقَبون نيابةً عنا”.

    وروى صحافي آخر في “بي بي سي”، طالباً عدم الكشف عن هويته، أنه بات مضطراً للحذر عند الاتصال بعائلته، قائلاً: “بعد هذه الاحتجاجات لم يتركوا أحداً منا. لم يعد آمناً التحدث بوضوح”. وأضاف أن “الكثير من زملائي جرى تجميد أصول عائلاتهم، وبعضهم اضطر إلى مغادرة بي بي سي. أعرف على الأقل اثنين غادرا لأن عائلتيهما كانتا تحت ضغط مالي كبير”، وأوضح أن هذه الأساليب تهدف إلى دفعهم لترك العمل الصحافي وإشعارهم بالذنب، قائلاً: “هم يعرفون كيف يضغطون نفسياً. عائلتي لا خيار لديها، لأن قرار عملي خارج إيران هو خياري أنا، لكن الضغط يقع عليهم”، وتابع: “حتى عندما أحاول عيش حياة طبيعية أشعر بالخجل لأن عائلتي تحت الضغط”.