الشراكات الاقتصادية مع أفريقيا وتعزيز اقتصادنا الوطني

يُشكّل توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية الكونغو الديمقراطية محطة استراتيجية جديدة في مسار توسيع شبكة الشراكات التجارية للإمارات، إذ يتجاوز نطاقها تحرير التجارة السلعية ليؤسس لإطار متكامل من التعاون الاقتصادي العميق والمستدام، ويعزّز تدفق الاستثمارات، ونقل المعرفة، وتكامل سلاسل القيمة بين البلدين.وتأتي هذه الاتفاقية، التي جرى توقيعها في الثاني من فبراير 2026، كأحدث إضافة إلى شبكة الشراكات الاقتصادية الإماراتية الطموحة المنبثقة عن «مشاريع الخمسين» التي أُطلقت في سبتمبر 2021، والتي توسّعت بحلول يناير 2026 لتشمل 32 اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة مع دول تمتدّ عبر قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا اللاتينية وأوقيانوسيا.
ويتمثّل هدف هذه الاتفاقيات في ترسيخ مكانة دولة الإمارات كمركز عالمي للتجارة والخدمات اللوجستية، وتنويع اقتصادها بعيداً عن الاعتماد على النفط. وتؤكد الأرقام هذا التوجه، إذ تسعى الإمارات إلى الوصول بتجارتها الخارجية غير النفطية إلى 4 تريليونات درهم بحلول عام 2031، بعد أن نجحت بالفعل في تجاوز حاجز 3.8 تريليون درهم (ما يعادل 1.03 تريليون دولار) في عام 2025، محققةً نمواً لافتاً بنسبة 27% مقارنة بعام 2024، بما يعكس قوة الاستثمارات المحلية والخارجية، وتوسُّع الشراكات الاستراتيجية، وتعزيز القدرة التنافسية للقطاعات غير النفطية، وفتح آفاق جديدة للتجارة والاستثمار مع مختلف الأسواق العالمية.
وتكتسب هذه الشراكة مع الكونغو الديمقراطية أهمية خاصة بالنظر إلى الزّخم الكبير الذي شهدته العلاقات التجارية بين البلدين حتى قبل التوقيع الرسمي. فقد قفز حجم التبادل التجاري بينهما من 1.2 مليار دولار في عام 2020 ليصل إلى 4.5 مليار دولار في عام 2024، مما يظهر وجود أرضية صلبة وإمكانات للنمو. وتضع الاتفاقية هدفاً طموحاً بمضاعفة هذا الرقم ليصل إلى 10 مليارات دولار بحلول عام 2030. ولتحقيق ذلك، لا تقتصر الاتفاقية على تخفيض الرسوم الجمركية فحسب، بل تفتح السوق الإماراتية أمام المنتجات الكونغولية، مما يوفر للمصدرين الكونغوليين بوابة حيوية للوصول إلى الأسواق العالمية عبر منصة الإمارات اللوجستية المتقدمة. 
وقد أكد معالي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، وزير التجارة الخارجية، على أهمية اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين دولة الإمارات وجمهورية الكونغو الديمقراطية، في تعزيز حضور الدولة الاقتصادي في القارة الأفريقية، مشيراً في هذا الصدد إلى الدور المحوري لقطاع الخدمات اللوجستية، من خلال اتفاقية «موانئ دبي العالمية» لتطوير ميناء «بانانا» للحاويات، وإلى ما توليه الاتفاقية أيضاً من دعم للشركات الصغيرة والمتوسطة، من خلال تخفيف القيود التجارية التي تواجه صادرات هذه الشركات، وتوفير حاضنات للأعمال، ومسرعات للنمو للشركات الناشئة، بما يسهم في تمكينها من الاستفادة من الفرص التي تتيحها الاتفاقية.
وفي الواقع، فإن جوهر هذه الاتفاقية يكمن في أبعادها الاستثمارية التي تتخطى التجارة التقليدية فجمهورية الكونغو الديمقراطية ليست مجرد سوق، بل هي قوة عالمية في مجال الموارد الطبيعية، حيث تُعد من أغنى دول العالم من حيث الموارد المعدنية غير المستغلة. فهي تنتج وحدها ما يقارب 75% من الإنتاج العالمي للكوبالت، وتُصدِّر ما قيمته 19.5 مليار دولار من النحاس المكرر و3.05 مليار دولار من الكوبالت سنوياً وفق بيانات 2024. من هنا، تأتي مذكرة التفاهم الملحقة بالاتفاقية والخاصة بالتعاون في قطاع التعدين لتعزيز شفافية وأمن سلاسل إمداد المعادن الحيوية، وهو ما يخدم المصالح الاستراتيجية للطرفين في ظل السباق العالمي على هذه الموارد.
وفي المحصِّلة، لا تقتصر هذه الاتفاقية على كونها أرقاماً ومؤشرات تجارية، بل تمثل نموذجاً متقدماً للشراكة التنموية الشاملة التي تربط بين رؤية دولة الإمارات كمركز اقتصادي عالمي، وبين الإمكانات الواعدة لاقتصادات القارة الأفريقية، بما يرسم ملامح فصل جديد من النمو المشترك وتعزيز المصالح المتبادلة، ويتيح فرصاً واسعة للاستثمار، وتطوير البنية التحتية، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز القدرات البشرية والتبادل المعرفي بين الطرفين.

* صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.