كتب : محمود الطوخي
01:01 ص
08/02/2026
يروي تقرير لمجلة “ذا أتلانتيك” الأمريكية، نهاية حقبة الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد. واعتبر الكاتب “روبرت إف وورث”، أن الأسد بفراره من البلاد حقق إنجازا؛ إذ أن “الدكتاتوريين يختلفون في نهاياتهم؛ فمنهم من يموت مقاتلا، ومنهم من يُشنق، ومنهم من يموت في فراشه”.
وفي 7 ديسمبر 2024، وبينما كان الثوار يطرقون أبواب دمشق، طمأن الأسد مساعديه بأن النصر وشيك، قبل أن يستقل طائرة روسية دون إبلاغهم، تاركا إياهم يواجهون مصيرهم بينما كانت بيانات القصر تدعي أداءه لـ”واجباته الدستورية”.
ونقلت المجلة عن الصحفي إبراهيم حميدي قوله: “لا يزال بإمكانك العثور على من يؤمن بالقذافي أو صدام، لكن لا أحد الآن يؤمن ببشار الأسد، ولا حتى شقيقه”. وأدى الانهيار المفاجئ لنهاية دولة الأسد البوليسية، تاركا البلاد تحت سلطة هشة للزعيم الجديد أحمد الشرع، الذي بدأ باستمالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقادة العالم في ظل حالة من عدم الاستقرار، وفق المجلة.
وبخلاف التفسيرات الجيوسياسية التي تعزو السقوط لانشغال حلفاء الأسد في أوكرانيا، تحدثت “ذا أتلانتيك” مع عشرات من رجال حاشيته والضباط الذين سكنوا قصر دمشق، ليرووا قصة “حاكم منعزل، مهووس بالجنس وألعاب الفيديو، وعنيد لدرجة الغطرسة”.
ووفقا للشهادات، لم تكن الجغرافيا السياسية هي التي قضت على النظام، بل الأسد نفسه الذي رفض صفقات مساعدات إقليمية كانت كفيلة بإبقائه في السلطة، مفضلا حالة الاكتئاب والغضب من فكرة التنازل عن العرش.
استعرض التقرير محطات حاسمة، ففي عام 2012 تنبأ باراك أوباما بسقوط النظام، لكن التدخل الروسي عام 2015 غيّر الموازين بغارات “سوخوي وتوبولوف” وتنسيق مع الميليشيات الإيرانية. وبحلول 2017، اعتقد الأسد أنه انتصر، بينما تحولت بلاده لركام واقتصاده لانهيار تام، مع ارتهان السيادة لروسيا وإيران.
وفي تلك الفترة، عرضت دولة خليجية المال والنفوذ لضمه من عزلته بشرط النأي بنفسه عن إيران، غير أنه رفض لضمان بقائه في السلطة عبر تسهيل مرور السلاح لحزب الله.
ونقلت “ذا أتلانتيك” عن خالد الأحمد السياسي السابق في دائرة الأسد والمستشار الحالي للحكومة الجديدة، قوله: “قررت أنه كالفيل الميت الذي يتجاهله الجميع”.
وكشف مسؤول سابق في الأمن القومي الإسرائيلي، أن إسرائيل ناقشت القيام بانقلاب ضده في 2019، لكنها رفضت لأن الجميع كان مرتاحا لوجوده بصفته “عدوا ضعيفا لا يشكل تهديدا”.
وتطرقت الكاتب، إلى ما وصفه بـ”غباء الأسد الدبلوماسي” في قضية الصحفي الأمريكي أوستن تايس؛ ففي 2020، أوفدت إدارة ترامب روجر كارستنز وكاش باتيل لدمشق عبر عباس إبراهيم رئيس الأمن اللبناني آنذاك.
ورغم إبداء مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، استعداده للسفر ومصافحة أي شخص مقابل معلومات، رفض الأسد الاتفاق لأن ترامب وصفه سابقا بـ”الحيوان”، قبل أن يتكرر الموقف مع إدارة بايدن في 2023 بعمان، حيث رفض الأسد إرسال مسؤول رفيع لمقابلة الوفد الأمريكي.
وحللت المجلة شخصية الأسد مقارنة بوالده حافظ الأسد “الديكتاتور الكلاسيكي”، إذ اعتبرت أنه لم يكن مناسبا للمنصب بـ”ذقنه الضعيفة وعنقه الطويل ورأسه الذي يشبه تلميذا قلقا”.
وأرجعت شهادات المصادر، انعدام ثقة بشار الأسد بنفسه لتنمر شقيقه الراحل باسل عليه في الطفولة.
وكشف التقرير، أن الأسد كان يقضي وقته في لعب “كاندي كراش” وألعاب الفيديو، محاطا بدائرة صغيرة مشبوهة، أبرزها لونا الشبل الصحفية السابقة، والتي كانت عشيقته ومسؤولة عن استقطاب النساء إليه لممارسة الجنس معهن، بمن فيهن زوجات ضباط سوريين رفيعي المستوى، وفق مصادر سابقة في القصر الرئاسي السوري ومسؤول إسرائيلي سابق.
اغتيال الشبل ودولة المخدرات
تناول التقرير كذلك مسألة وفاة لونا الشبل في يوليو 2024 بحادث سير غامض؛ حيث أكد مسؤول إسرائيلي سابق وشخصان بالنظام أن الأسد هو من أمر بقتلها بعد تحولها لـ”عميلة روسية” تزود موسكو بمعلومات عن إيران.
وبينما كان السوريون وضباط الحرس الجمهوري يبيعون السجائر في الشوارع من الفقر، كان الأسد وشقيقه ماهر يراكمان المليارات من تجارة مخدر “الكبتاجون” وتحويل سوريا لدولة مخدرات أثارت غضب دول الجوار.
الساعات الأخيرة: “ألن تقاتلوا؟”
بدأ الفصل الأخير بنهاية 2024 بضوء أخضر تركي لعملية المعارضة. وبينما كانت حلب تسقط، كان الأسد في موسكو لحضور مناقشة دكتوراة ابنه حافظ، ليبلغه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في لقاء خاطف أنه “لن يخوض حربه نيابة عنه”.
وفي ليلة 7 ديسمبر، عاد الأسد لحي المالكي بدمشق، متأرجحا بين اليأس والوهم. ومع وصول مسؤولين روس في الساعة 11 ليلا لإبلاغه بتوقف قواته عن القتال، أمر الأسد بحزم أمتعته بأسرع وقت.
وعند الباب، سأله سائقه بخيبة أمل: “هل ستتركنا حقا؟”، فرد الأسد متنصلا من المسؤولية: “ماذا عنكم أنتم؟ ألن تقاتلوا؟”، ثم استدار وخرج إلى حيث كانت الطائرة الروسية تنتظره، لينهي ربع قرن من الحكم بالفرار المهين.
