60 % من براءات اختراع الذكاء الاصطناعي تتركز في الصين وأمريكا الشماليةحصة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا 3 % بحلول 2028أبوظبي تستهدف التحول إلى حكومة مدعومة بالذكاء الاصطناعي باستثمارات تقارب 13 مليار دولار بحلول 2027
كشف تقرير «مستقبل حوكمة الذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية: خارطة الطريق على مستوى السياسات» أن قدرات الدول العربية في مجال حوكمة الذكاء الاصطناعي لا تزال محدودة مقارنة بالتسارع العالمي، ما يضع الكثير من الحكومات في موقع «المتلقي» بدلاً من الشريك الفاعل في صياغة القواعد الناظمة لهذا القطاع الحيوي.
ويحدّ هذا الواقع من الاستفادة الاقتصادية والتنموية المرجوة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، في وقت أصبح فيه هذا المجال أحد أهم ميادين التنافس الاقتصادي والسياسي عالمياً، وعنصراً محورياً في إعادة تشكيل أنماط النمو وصناعة القرار وبناء النفوذ الاستراتيجي والسيادة التكنولوجية.
وصدر التقرير عن كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية عبر مركز بحوث مستقبل الحكومات، على هامش انعقاد القمة العالمية للحكومات 2026، التي تُعد منصة دولية لاستشراف مستقبل العمل الحكومي وتسخير التكنولوجيا والابتكار لمواجهة التحديات العالمية.
نتائج
يسلّط التقرير الضوء على نتائج دراسة ميدانية شملت عشر دول عربية، بهدف تقييم واقع حوكمة الذكاء الاصطناعي والتحديات المرتبطة بها، ورسم خارطة سياسات متعددة المحاور تتناول قدرات المنطقة العربية من منظور الحوكمة والسياسات العامة.
وتشير بيانات التقرير، استناداً إلى تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية لعام 2025، إلى أن الصين ودول أمريكا الشمالية تمتلك مجتمعة نحو 60 % من براءات اختراع الذكاء الاصطناعي، وتسهم بما يقارب ثلث الأبحاث العلمية العالمية في هذا المجال.
وفي المقابل، يُتوقع ألا تتجاوز حصة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا مجتمعة 2 – 3 % من إجمالي الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2028، بحسب تقديرات مؤسسات دولية، ما يعكس اتساع الفجوة الرقمية والتكنولوجية بين مراكز التطوير العالمية وبقية المناطق.
ويُرجع التقرير جانباً من هذه الفجوة إلى سيطرة عدد محدود من شركات التكنولوجيا العملاقة على منصات الذكاء الاصطناعي والبيانات وبراءات الاختراع، الأمر الذي يعمّق التباين التنموي عالمياً، نظراً لتحكم هذه الشركات بجزء كبير من البنية التحتية المعرفية والتقنية التي تقوم عليها منظومات الذكاء الاصطناعي الحديثة.
وفي الوقت نفسه، يشير التقرير إلى أن هذه الأرقام قد لا تعكس بالكامل وتيرة التقدم المتسارع في بعض الدول العربية، لا سيما في ظل المبادرات الاستثمارية الحديثة، وفي مقدمتها أبوظبي التي تسعى إلى التحول إلى حكومة مدعومة بالذكاء الاصطناعي عبر استثمارات تقدّر بنحو 13 مليار دولار بحلول عام 2027، ما يعكس تحولات استراتيجية قد تعيد رسم موقع المنطقة العربية في خارطة الذكاء الاصطناعي العالمية على المدى المتوسط والطويل.
استند التقرير إلى دراسة إقليمية موسعة بعنوان «سد فجوة الذكاء الاصطناعي: الحوكمة والابتكار والتنافسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، أُعدّت بدعم من Google، واعتمدت منهجية بحثية تجمع بين الأساليب الكمية والنوعية. وشملت الدراسة استطلاع آراء 327 شركة تعمل في مجالي الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في عشر دول عربية، إلى جانب مقابلات وجلسات نقاشية وورش عمل متخصصة.
وكشفت النتائج عن وجود منظومة ديناميكية واعدة في المنطقة العربية، لكنها غير متوازنة، إذ يتزامن ارتفاع مستويات التفاؤل وسرعة تبني التقنيات الحديثة مع تحديات هيكلية وتنظيمية وتمويلية وبنيوية تعيق التحول إلى منظومة ناضجة ومستدامة.
تمكين
أوضح التقرير أن الأطر التنظيمية الحالية تؤدي دوراً مزدوجاً؛ فهي من جهة أداة لتعزيز الثقة والأمان والموثوقية، ومن جهة أخرى تمثل عاملاً مقيّداً للابتكار بالنسبة لبعض الشركات، فقد أفادت 23 % من الشركات بأن الالتزام باللوائح التنظيمية يرفع التكاليف التشغيلية، بينما رأى 21 % أن هذه الأطر تُبطئ وتيرة الابتكار بسبب تعقيد الإجراءات وتأخير تنفيذ المشاريع.
كما أشار أكثر من 15 % إلى أن القيود التنظيمية، خصوصاً المتعلقة باستخدام البيانات وتبادلها عبر الحدود، تجعل تنفيذ بعض الأفكار المبتكرة غير ممكن.
في المقابل، رصد التقرير آثاراً إيجابية واضحة، إذ ترى 29 % من الشركات الصغيرة والمتوسطة أن السياسات الحالية تجعل أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر أماناً وجديرة بالثقة، وأفادت %28 بأنها أسهمت في فتح أسواق جديدة أو تحسين فرص الوصول إليها، فيما يرى 22 % أن هذه الأطر تعزز العدالة وتحد من التحيز في أنظمة الذكاء الاصطناعي.
كشف التقرير عن تفاوت ملحوظ في مستويات الوعي بالسياسات وأطر الحوكمة، حيث أفادت 10 % فقط من الشركات بامتلاك معرفة عالية بهذه الأطر، مقابل 41 % تمتلك فهماً جيداً.
ويرتبط هذا التفاوت بوضوح الاستراتيجيات الوطنية في بعض الدول مقابل غموضها أو تجزُّئها في دول أخرى، ما يخلق حالة من عدم اليقين ويؤدي إلى تباطؤ الابتكار أو مخاطر عدم الامتثال غير المقصود.
وعلى المستوى الإقليمي، أشار التقرير إلى أن عدم اتساق الأطر التنظيمية بين الدول العربية يمثل عائقاً حقيقياً أمام التوسع، إذ أفادت 31.5 % من الشركات بأنها تواجه صعوبات مباشرة بسبب عدم توافق السياسات، ما يعزز الحاجة إلى تنسيق أو توحيد الأطر التنظيمية إقليمياً.
أظهر التقرير أن تطبيق الممارسات الأخلاقية لا يزال جزئياً في معظم الشركات، رغم الإقرار المتزايد بأهميتها، فقد أفادت 14.9 % من الشركات بعدم امتلاكها أي آليات لتوثيق قرارات نماذج الذكاء الاصطناعي أو البيانات المستخدمة، بينما لا تتجاوز نسبة الشركات التي تطبق هذه الممارسات بشكل كامل 4 % فقط.
كما تطبق نحو 25–30 % أطراً متكاملة للتدقيق الدوري، في حين لم تبدأ 42 % من الشركات بعد في النظر بإجراء تدقيق مستقل.
وتواجه الشركات تحديات رئيسية في هذا السياق، أبرزها محدودية الميزانيات، حيث اعتبر 60 % من المشاركين أن القيود المالية تشكّل عائقاً جزئياً على الأقل، إضافة إلى نقص الخبرات المتخصصة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي.
تحديات
تتركز مخاوف الشركات حول مخاطر «الثقة والتحكم»، إذ تصدّر الأمن السيبراني قائمة القلق لدى 33 % من الشركات، إلى جانب مخاوف واسعة تتعلق بخصوصية البيانات وأمنها عبّرت عنها 77 % من الشركات. كما برزت تحديات تتعلق بقابلية التفسير والشفافية، والتحيز، وحقوق الملكية الفكرية، ووكلاء الذكاء الاصطناعي والأنظمة شبه المستقلة.
وأظهر التقرير استمرار تحديات هيكلية، أبرزها ارتفاع تكلفة الكهرباء (20 %)، وضعف موثوقية الإنترنت (18 %)، وتكلفته (17 %)، ونقص أجهزة الحوسبة (13 %). كما لم يتمكن سوى 24 % من الشركات من الحصول على تمويل من رأس المال الجريء، فيما لجأت نحو 15 % إلى القروض الشخصية.
خلص التقرير إلى أن أطر الحوكمة لا يمكن أن تعمل بمعزل عن بقية عناصر المنظومة، بل تتطلب استثمارات متوازية في البنية التحتية الرقمية، وتنمية المهارات، ودعم البحث والتطوير، وتوسيع قنوات التمويل، وتعزيز حماية حقوق الملكية الفكرية.
