كيف يمكن استعارة التراجيديات العالمية الإنسانية في وصف أحوالنا؟ كيف يمكن أن نستحضرها بلغة يومية عصرية لا تخلو من مرارة الكوميديا السوداء؟ على هذه الأسئلة اجتمع مزيج من الكتّاب والممثلين وكوميديي الستاند-أب” فاختاروا إحدى أشهر التراجيديات الإنسانية الإغريقية “أنتيغون” لتأديتها في مسرح دوار الشمس (الطيونة – بيروت) من إخراج إدمون حداد بالتعاون مع إيلي نجيم، كتابة إدمون حداد وعمر ليزا ونور حجّار؛ وشارك في التمثيل كلّ من ريم مروّة وجوزيف زيتوني ومحمد بعلبكي.

تقول الأسطورة اليونانية القديمة إن أوديب الذي قتل أباه لا‌يوس وتزوج أمه جوكاستا، أنجب منها أربعة أبناء: إيتيوكليس وأخاه الأصغر بولينيس وأنتيغون وأختها إسمين. عندما اكتشف أوديب جريمة قتله لأبيه وزواجه من أمه، تلك الجريمة التي اقترفها من دون أن يدري، فقأ عينيه وسار هائما على وجهه لكنه قبل أن يترك مدينته لعن ابنيه ودعا عليهما بأن يقتل أحدهما الآخر. وتتشكل الأقدار بحيث يختلف الأبناء على الحكم، فيتفق الأخ الأكبر مع خاله كريون على طرد أخيه الأصغر بولينيس مما يدفعه إلى تكوين جيش من الخارج ليحاصر مدينته، محارباً أخاه وخاله، وينتج قتال الأ‌خوان أن يقتل كل منهما الآ‌خر، ويقول سوفوكليس على لسان الكورس في نص المسرحية: “هذان الأ‌خوان في الدم، من أب واحد وأم واحدة، متشابهان في الغضب… تصادماً وفازا بجائزة الموت المشتركة. وبناء على هذه النتيجة يصبح الخال كريون هو الملك الحاكم والقوة المهيمنة، ويقرر لحظة تملكه السلطة أن يشيع جثمان حليفه إيتوكليس في احتفال يليق ببطل عظيم ويوسد جثمانه القبر بيديه، احتراماً للميت، بينما يأمر بعدم دفن جثة بولينيس لتنهشه الوحوش المفترسة والطيور الجارحة عقوبة لخيانته. هنا تبدأ حكاية أنتيغون حين تتقدّم وحدها لتقاوم الملك الجائر وتقرر تحدي الأوامر الملكية تلبية للأوامر الإلهية التي تحث على دفن الموتى، وتقوم بدفن جثة أخيها رغم تحذير شقيقتها التي تتهمها بـ”حب المستحيل” لكن أنتيغون لا‌ ترى طاعة دينها محبة للمستحيل، بل هي واجب وأمانة في عنقها.

تقاطع طيبة – الطيونة 
يقف الراوي (جوزيف زيتوني) عند مدخل المسرح مرحباً بالحضور ليطلب منهم الاسترخاء والتأمل في هذه التراجيديا الإنسانية التي تعرض في مسرح دوار الشمس–الطيونة، أو مسرح تورنسول–بدارو. من تلك المفارقة الساخرة يبدأ العرض ويبدأ معه التفكيك الزمني والمكاني لتختلط مدينة طيبة الاغريقية القديمة بمدينة بيروت اليوم، ويتداخل الزمن الإغريقي القديم بزمن لبنان المعاصر. وتتداخل السينوغرافيا بين أعمدة الإغريق الأثرية وأعمدة البيوت المهدمة في لبنان اليوم. وهكذا يصبح في الإمكان أختصار تيمة “انتيغون” الأصلية باللهجة اللبنانية: “تقبرني”، عنوان العرض. 

يتولى الراوي إخبارنا أحداث انتيغون التاريخية قبل أن يتحول إلى سلطة اعلام وسياسة غربية. فيما يجسِّد إدمون حدّاد شخصية كريون، الحاكم والقائد العسكري، الذي يصدر قراراً يمنع دفن جثة ابنة أخته بولينيس بوصفها عدوة للأمة. ويلعب نور حجار وعمر ليزا شخصيات متعددة بقالب ساخر وأساليب أدائية مختلفة مما أضاف للعرض المزيد من الفانتازيا الساخرة، لا سيما توثيق لدفن أنتيغون أخاها على شريحة يو -إس -بي!

“تقبرني” عرض أدائي بصري تجتمع فيه عناصر عديدة، منها الإضاءة اللافتة الحاضرة (هاكوب درغوكاسيان) والمؤثرات البصرية والسمعية المشغولة بذهنية التفكيك والتصادم، بين إغريق أمس، ولبنان اليوم. في “تقبرني” يظهر الممثل جوزيف زيتوني قماشة عالية من الحضور والموهبة بأدواره المتبدلة ولا سيما تلك النقلات السريعة بين الكوميديا والتراجيديا طوال العرض قبل أن يُختتم العمل بنهايات ثلاث. فيسلم العرض إلى المونولوغ التراجيدي أو حكاية أنتيغون سوفوكليس الأصلية التي تدخل من بين الجمهور إلى مقدمة المسرح لتتلو المونولوغ الصارخ بإنسانيته. فيما يتلو جوزيف زيتوني مونولوغ السلطة الأحادية في هذا العالم، ببطشها ووحشيتها. وينهي الملك الضعيف فيسأل: أين ينتهي حق الحاكم ومن أين يبدأ حق الشعب؟

هي خلطة مواهب متنوعة على مستوى فنون الأداء اجتمعت لتتصرف في نص كلاسيكي وتأخذه إلى حيث أرادت بنجاح وبخفر ومن دون ادعاء،: تقديم واحدة من أصعب التراجيديات العالمية بلغة ومفردات بسيطة ومؤثرة، هدمت فيها، في وصف أحوالنا، حدود المأساة القديمة مع البكاء، حتى حدود الضحك.