جاء قرار دار الساقي في حجب جائزة مي غصوب للرواية بدورتها الرابعة، كصدمة في مشهد النشر العربي الذي يعيش لحظة ثقافية مشبعة بالضجيج، والكم، وبحساسية عالية تجاه الفرصة والاكتشاف. 

 

في فضاء اعتاد التراكم والاحتفاء المتواصل باللوائح الطويلة والقصيرة، كسر القرار إيقاع المألوف، وأعاد طرح سؤال ظلّ مؤجّلًا: ما الذي يعنيه اليوم أن تُمنَح جائزة أدبية؟ ومن يتحمّل مسؤولية هذا المنح، في زمن تتكاثر فيه النصوص أسرع من قدرة القراءة والتقييم؟

 

اللافت، في موازاة ذلك، هو طبيعة التلقي العام لقرار حجب الجائزة. فالمشهد الأدبي اعتاد في السنوات الأخيرة على موجات متكرّرة من الغضب، تطاول الجوائز حين تُمنح، وتطاولها أيضًا حين تُحجب. هذه المفارقة تكشف أن الاعتراض غالبًا ما يسبق القرار نفسه، وأن الإحباط يتغذّى من توقّعات غير محدّدة، تختلط فيها فكرة الاستحقاق، بفكرة الأمل، وتتحوّل الجائزة إلى تعويض رمزي عن انسداد أوسع.

ولربما تطرح معضلة أعمق، حول ماهية الكاتب، وحاجته الملّحة للظهور، والتربع على عرش الجوائز، على حساب الكتابة نفسها. 

 

يشهد المشهد الثقافي العربي في السنوات الأخيرة تضخّمًا لافتًا في أعداد الإصدارات. تشير أرقام اتحاد الناشرين العرب إلى صدور نحو 93 ألف كتاب عربي في العام 2023، مع تصدّر مصر المشهد، تليها السعودية ثم الأردن فالعراق. أرقام تثير الإعجاب، لكنها تفرض في الوقت نفسه أسئلة مقلقة حول المعنى: كيف يمكن قراءة هذا الكم؟ وكيف يمكن التمييز داخله؟ وأي دور يبقى للجائزة، أو للناشر، وسط هذا الزحام؟

 

في قلب هذه الأرقام، يبرز عبء النشر بوصفه فعلًا يتجاوز الطباعة والتوزيع. فهو قبل كل شيء، عملية دقيقة ومُنهِكة، مليئة بالتفاصيل والعوائق، تتطلّب متابعة وصبرًا ومراهنة طويلة الأمد. يضاف إلى هذا المشهد جدلٌ آخر أكثر حدّة، انفجر مؤخرًا حول صدقية بعض الإصدارات المعروضة في معارض عربية كبرى، وما أثير عن كتب كُتبت أو تُرجمت باستخدام الذكاء الاصطناعي، أو حملت أسماء مؤلفين وهميين، بل وصلت في بعض الحالات إلى عرض نصوص تتضمّن صيغ الأوامر التقنية الموجَّهة إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي. هذه الوقائع أعادت فتح ملف المعايير: من يقرأ؟ ومن يراجع؟ ومن يتحمّل مسؤولية ما يُقدَّم للقارئ بوصفه أدباً؟

 

ضمن هذا السياق المتشابك، يضع قرار حجب جائزة مي غصوب نفسه داخل منطقة رماديّة تُفضّل طرح سؤال القيمة الأدبية على السعي إلى الإجماع. لا يعود الحجب هنا تفصيلًا إداريًا، بل لحظة مساءلة داخلية عاشتها الدار نفسها، كما توضّح رانية المعلم، مديرة دار الساقي التي قرأت النصوص وعاشت لحظات القرار الحاسمة، حين تتحدّث عن كواليس اتخاذ القرار وثقله. تقول لـ”المدن”: “كان القرار صعباً جدًا. لم نكن نريد أن نصل إليه. وهذا ما دفعنا إلى قراءة بعض المخطوطات أكثر من مرة ومعاودة النقاش في ما بيننا. لكن ما كان مُطمئنًا هو وجود أربعة أعضاء في لجنة التحكيم، أي ثماني عيون تقرأ، وأنا من بينهم. هذا يخفف قليلًا من الشك الشخصي الذي يرافق أي قرار، لأن هذا الشك موجود دائمًا. كان القرار صعبًا أيضًا لأننا كنا نتوقّع أنه، في حمّى الجوائز التي نعيشها، ربما يخلق سوء فهم لدى الجمهور الثقافي العربي، كما لدى المرشحين والمرشحات. لكن الأساس يبقى: مسؤولية تقديم روائي جديد وتكريسه. هذه المسؤولية هي تجاهه هو أولًا قبل أن تكون تجاه الدار والجائزة واسم مي غصوب. نحن نضع الاسم على السكة. كيف يمكن أن نفعل ذلك إذا كان العمل، منذ البداية، خطوة ناقصة؟”.

 

بهذا المعنى، تتقاطع الصعوبة الشخصية مع المسؤولية المؤسسية، ويظهر الحجب كنتيجة مسار طويل من القراءة والنقاش، لا كقرار متسرّع أو ردّ فعل ظرفيّ.

 

الاستحقاق لا التشجيع: كيف تُفكَّر الجائزة؟

يكشف بيان الحجب، الصادر عن دار الساقي، مشهداً روائياً واسعاً من حيث الموضوعات والامتدادات الجغرافية، ونصوصاً مشغولة بأسئلة العنف، والذاكرة، والمرض، والخيال، والانكسارات السياسية والاجتماعية. غير أنّ هذا الاتساع يتوقف عند حدود الصياغة، حيث يعجز الكثير من الأعمال عن تحويل التجربة إلى بناء روائي قادر على حملها. فالموضوع، مهما بدا راهنًا أو مشحونًا، يحتاج إلى أدوات سردية تضبط إيقاعه، وتمنحه شكله، وتسمح له بالتحوّل من مادة خام إلى عمل أدبي قابل للقراءة المتأنية.

 

يتجلّى هذا الفهم للمسؤولية بشكل أوضح حين يُطرح سؤال “تشجيع الكتّاب الجدد”، وهو سؤال يكشف خلطاً شائعاً بين الرغبة في الاحتضان، ووظيفة الجائزة بوصفها أداة اقتراح أدبي. تقول رانية المعلم: “دار الساقي تبحث عن كتّاب جدد موهوبين، وهي بحاجة لهم والقراء أيضًا بحاجة لسماع أصواتهم. لكن الأمر لا علاقة له بالتشجيع. الدار تنشر لكاتب جديد لأن نصه يستحق النشر ولا فضل لها، بل من واجبها. مقاربة الجائزة من منطق التشجيع هي مقاربة خاطئة وساذجة. في هذه الجائزة نحن لسنا بصدد تشجيع كتّاب مبتدئين بدافع التشجيع فقط، الجائزة هي فرصة لنا لاكتشاف الموهوبين منهم. من شروط الجائزة ألّا يكون الكاتب قد نشر أي عمل من قبل، وهذا لا يمتّ بصِلة إلى العمر. وصلنا ما يقارب مئة مخطوطة، لكن العدد ليس معيارًا، كما أن العمر ليس معيارًا.  السنة الماضية، وصلنا عدد أقل، لكنه أظهر بوضوح وجود كتّاب يملكون بذرة مهمّة كان علينا أن نُظهرها ونؤمن بها. تضيف: “الجائزة ليست ورشة كتابة. هذا لا يعني أنها أهم من الورشة أو أقل أهمية، لكن موضوعها مختلف. ومع ذلك، ورغم وضوح شروط الجائزة، اخترنا بعض النصوص وعدنا إلى أصحابها بملاحظات، من أجل إنقاذ النص، لا الجائزة. لكن للأسف، عادت النصوص من دون أن تستوفي هذه الملاحظات”.

هنا يُعاد تعريف الاستحقاق خارج منطق النيّات أو البدايات، بوصفه عملًا طويل النفس على اللغة والبُنية والشخصيات والزمن، أي بوصف الرواية حرفة تتطلّب صبرًا ومراجعة ووعيًا بالعلاقة بين التجربة وصياغتها.

هذا النقاش حول المعايير لا ينفصل، في نظر المعلم، عن المشهد الثقافي الأوسع، ولا عن التحوّلات التي تطاول الكتابة والنشر في المنطقة ككل:  “نشهد تدهورًا في المشهد الثقافي، كما التدهور الذي نعيشه على الصعد الأخرى السياسية والاقتصادية. الرواية والأدب بشكل عام غير مفصولة عن هذا المشهد. أعتقد أننا اليوم في حالة مخاض، كما حال البلد والمنطقة ككل. لست أكيدة من نهاية هذا المخاض أو على ماذا سيرسو. لست متفائلة ولا متشائمة، لكن مترقبة وحذرة. ما أراه غير صحي هو الكمّ والنوع في النشر اليوم. ومع ذلك، أريد أن أصدق أن النصوص الجميلة، تلك التي تلامس القارئ فعلًا، ستبقى وتنجو”.

 

في موازاة ذلك، يُطرح سؤال أثر القرار في مستقبل الجائزة نفسها، وفي استعداد الكتّاب الجدد للتقدّم إليها، وتجيب المعلم: “نحن لا نخاف على الجائزة، لكن إن خاف البعض من إرسال مخطوطاته، فسيكون ذلك مؤشرًا يجب علينا فهمه وتحليله والتعامل معه”.

هنا ينتقل النقاش من منطق القلق الدفاعي إلى قراءة التلقي بوصفه جزءًا من المشهد الثقافي نفسه، لا مجرّد ردّ فعل عابر.

ومع تصاعد الأسئلة حول الذكاء الاصطناعي وتسارع النشر، تتوسّع دائرة المسؤولية لتشمل دار النشر بوصفها فاعلًا ثقافيًا، لا مجرّد وسيط إنتاج. وعن هذه المسؤولية، تقول المعلم: “نحن نفتقد في عالمنا العربي إلى استراتيجية ثقافية تساهم في تعزيز ثقل وجودة الأدب ككل. لذلك نرى أن كل دار نشر تعمل بما تراه مناسبًا لها، وفق معاييرها الخاصة. أنا متفاجئة من الكمّ في النشر…صار لدينا كتّاب أكتر مما لدينا قرّاء”.

 

ويبقى سؤال الربح حاضرًا في أي نقاش حول النشر، بوصفه منطقة توتّر دائمة بين السوق والثقافة، وعن هذا تقول المعلم: “هناك خيط رفيع بين الدار كمؤسسة تسعى إلى الربح، وبين كونها مسؤولة عن صون الأدب. المنحى الربحي أحد الشروط، لكنه ليس الأهم. نحن ننشر على عاتقنا، ولا نطلب يومًا من أي كاتب أن يدفع جزءًا من التكاليف. الربح المادي ضروري لاستمرار أي دار نشر، لكن في النهاية علينا ألا نضيّع البوصلة. لدينا اسم نحميه، وإرث، ومسؤولية”.

 

لا يظهر حجب جائزة مي غصوب كحدثٍ معزول، بل كجزء من نقاش أوسع حول علاقة الأدب بزمنه، وحول معنى الاختيار في مرحلة يغلب فيها الكمّ على الكيف. نقاش يعيد التذكير بأن الكتابة، قبل أن تكون فعل حضور أو اعتراف، هي تمرين طويل على البناء، وعلى الدقّة، وعلى تحمّل مسؤولية ما يُقترَح على القارئ. كما لا يمكن فهم النقد والتمييز داخل الفعل الثقافي في العالم العربي بوصفهما مسألتين جماليتين فحسب، بل بوصفهما مشروطتين أيضًا بسياقات سياسية وتاريخية تتحكّم في ما يُقرأ، وما يُحجَب، وما يُعاد تدويره أو إسكاتُه. 

 

كتب أنطونيو غرامشي عن أن الفراغ، حيث تظهر أعراض مرضيّة كثيرة، يولد حين “يحتضر القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد”، ليصبح فعل الاختيار أو الحجب، محاولة لدرء “الأعراض المَرَضيّة” للمرحلة، واختبارًا دائمًا لحدود النص، الذي هو، أولًا وأخيرًا، من وفي قلب زمنه.

“النغل” لغسان الصامتي: الرواية التي نالت جائزة مي غصوب في دورتها الثالثة

في مقابل النقاش حول المعيار والاستحقاق، تبرز بعض الأعمال التي تُظهر، عمليًا، كيف يمكن للجائزة أن تُصيب. وعليه، أعيد نشر مراجعتي للرواية الفائزة العام 2024. 

 

“النَّغْل” (صيغة فَعِل): ولدٌ فاسدُ النَّسب، وُلد عن زنى.

لم أعد أثق كثيرًا في الجوائز الأدبية، عربيًا وعالميًا. توقّفت عن متابعتها، لأن خيبات الأمل باتت تتكرر أكثر مما أحتمل. وحدها الكتابة، حتى الآن، لا تخيّب أملي.

لكن رواية “النَّغْل” للكاتب التونسي غسّان الصامتي، الحائزة جائزة مي غصوب للرواية في دورتها الثالثة، أعادت إليّ شيئًا من الثقة في الجوائز، والتحكيم، وفي إمكانية أن يصيب الاختيار.

لن أتوقف هنا عند اسم مي غصوب، ولا عند ما فعلته كتاباتها بعقلي الصغير. ما أستطيع قوله، وبكل ثقة، إن “النغل” رواية حارقة أعادت فتح نافذة أمل في نظام الجوائز الأدبية.

كاتب الرواية طبيب أمراض داخلية، وهذه روايته الأولى. وربما في هذا التفصيل يكمن أحد أسرار هذا العمل: فالرؤية “من الداخل” أي من داخل الجسد، مكّنت الكاتب من بناء رواية تكشف بشاعة الإنسان عبر تشريح بشاعة المجتمع. تتحوّل الرواية فجأة إلى تونس، لكنها ليست تونس الخرائط والشعارات، بل تونس الأحشاء: تونس الأمعاء والطحال، تونس الدم.

هي رواية النساء. عن النساء، ولأجلهن، أولًا وأخيرًا. حتى وإن بدا أنها تحكي قصة طفل وُصِم باللقيط، (وهو في الحقيقة ليس كذلك ) من مجتمع قرّر وحكم فأنزل عليه لعنته، وعلاقته بجدّته، وحياتهما التي لا يمكن رؤيتها إلا في الكوابيس.
نساء ووجعهن. نساء وأقدارهن. نساء وصلابتهن.

أذهب أبعد من ذلك لأقول إن الرواية تكتب أيضًا عن الإناث في عالم الحيوان، وتحديدًا عن الأتان (أنثى الحمار)، بوصفها استعارة مكثّفة للعنف، والاستغلال، والصبر القسري.

لغة الرواية عميقة، متشعبة، ورصينة. وصفها قاسٍ ومباشر، غير مموّه ولا متكلّف، لكنه مشغول بدقّة عالية. لا نفهم سريعًا من يكتب، ولا تتكشّف بسهولة العلاقة بين الجزء الأول من الرواية وبقية أجزائها. بعض المقاطع تمنّيت لو لم أقرأها، لا لأنها قاسية فحسب، بل لأنها مرعبة.

الرواية ليست عن “جدّة تموت بطريقة مروّعة”، كما جاء في النبذة. بل هي عن تونس التي تقتل أبناءها. عن الطبقية والفقر. عن الذكورية والمال. عن موتٍ جماعيّ، لا ينجو منه أحد.

هي رواية عن الألم، وعن المصير، اللذين لا فكاك منهما.