“القديس فرنسيس الأسيزي” المنسوبة لـ فان آيك (1440)، مدينة غنت البلجيكية، 2020 (Getty)
تتراجع الهالة التي أحاطت بالعديد من الأعمال الفنية التي لطالما اعتبرت رمزاً للإبداع الفردي أمام قوة التكنولوجيا، إذ يعيد الذكاء الاصطناعي رسم ملامح تاريخ الفن، واضعاً علامات استفهام كبرى. فمع الإعلان مؤخّراً عن نتائج تحليل لوحتَي “القديس فرنسيس الأسيزي” المنسوبتين ليان فان آيك، والموجودتين في فيلادلفيا الأميركية وتورينو الإيطالية، يهدد بسحب البساط من تحت أسطورة الفنان الذي يُنجز عمله وحيداً، وكذلك من تحت الخبير ذي القّفاز الأبيض، القادر على كشف زيف عمل أو تأكيد نسبته.
في حالة المعلّم الفلمنكي فان آيك الذي عاش في القرن الخامس عشر، أظهر التحليل أن اللوحتين تحملان بصمة سلبية بنسب تتجاوز الـ 86%، حيث حلل الذكاء الاصطناعي تردّدات اليد، وتوزيع الظلال، وكثافة اللون، وهي تفاصيل تقع خارج نطاق الإدراك البصري البشري، وحتى خارج قدرة المرمّمين على المحاكاة الكاملة، وخلُص إلى نتيجة أن اللوحتين على الأرجح من إنتاج ورشة فان آيك أو تلاميذه وليس من تنفيذ يده مباشرة.
يعيدنا هذا الحدث إلى قضايا مشابهة شهدتها السنوات الأخيرة، حين أسقط الذكاء الاصطناعي في لندن سنة 2021 نسبة لوحة “شمشون ودليلة” لروبنز بنسبة نفي بلغت 91%. وكما حدث، عام 2023، مع “مادونا الوردة” لرافاييل المحفوظة في متحف برادو بمدريد، حيث عزل الذكاء الاصطناعي وجه القديس يوسف معتبراً إياه دخيلاً على ريشة الفنان الإيطالي ورجّح أنه إضافة من صنع تلاميذه. ورغم عدم التسليم بتقييم التقنية ومعاييرها في الحكم على أصالة العمل، إلا أن هناك تخوفاً في سوق الفن من تأثير ذلك على أسعار الأعمال ومكانتها، وبهذا، نجد أن التكنولوجيا تعيد فرز الوحدات حتى داخل العمل الفني الواحد، وتخبرنا أن التحفة قد تكون “هجيناً” من العقول والأيادي، مما يضع المؤسسات المتحفية أمام سؤال: كيف يمكن تسويق لوحة بملايين الدولارات إذا كانت الخوارزمية تصنّفها منتج ورشة عملٍ لا بوصفها فعلاً إبداعياً فردياً؟
من رافاييل إلى رينوار أعمالٌ تتولى الآلة التدقيق في صحة نسبتها
ويبرز أيضاً مثال آخر يُكمل الصورة: لوحة “بورتريه امرأة” أو “غابرييل” المنسوبة لرينوار، التي أثارت جدلاً واسعاً حول أصالتها عام 2022. لكن الذكاء الاصطناعي خلُص إلى احتمال بنسبة 80.58% أن اللوحة من توقيع رينوار، ما أعطى مالكها دفعة قوية لتأكيد أصالتها، لكنه في الوقت ذاته كشف عن هامش من عدم اليقين لا يمكن تجاهله.
المثير في هذه السلسلة من الكشوفات هو قدرة التقنية على أن تكون فاحصاً متجرداً من الانحيازات التاريخية أو المصالح التجارية. فبينما كان الخبراء يتجاهلون لعقود التناقضات التشريحية في لوحة روبنز، أو يبررون اختلاف الأسلوب في أعمال رافاييل بـ”تطور المرحلة”، جاءت الخوارزمية لتقدّم حُكماً إحصائياً مبنياً على مقارنة آلاف البصمات الفنية للفنانين المعنيّين. ومع ذلك، يظلّ هذا التحول محاطاً بالحذر، فالمعارضون من مؤرّخي الفن التقليديين يرون في هذه التقنية “عمى جمالياً” يتجاهل ظروف الزمن والترميمات اللاحقة التي قد تشوّه البصمة الأصلية. لكن الردّ التقني يأتي عبر قدرة هذه النُّظم على التعلّم من اللوحات المتضرّرة أيضاً، مما يجعل هامش الخطأ يتقلّص تدريجياً أمام قوة اليقين الرقمي.
