جعل عصام محفوظ خلاصة فلسفته النقدية في غير مصنف، مستردّاً دور الناقد بالبناء على وعيه المعرفي، بالتراكم والنوع والخبرات، مع قناعته بأن الكتابة لم تعد مجدية إلّا بالانفتاح على أجناس الفكر والأدب والفن تعمّقا وخبرة، لا إلماما فحسب، رائيا في ذلك ضرورة التعامل مع الحياة الإنسانية ككتاب مفتوح يقرأ فيه الجميع. كان محفوظ باحثا في التاريخ والتراث مثيرا للجدل، مترجما جيدا من الفرنسية، وكاتبا موسوعيا، نظم الشعر الحر وله فيه دواوين إلى كونه من رواد مجلة «شعر» (1958 – 1969) مساهما في تنشيطها، لكن شهرته المسرحية طغت عليه، كأحد رواد التأليف بعد أنطوان معلوف، بالمجايلة مع أعمال نقدية من أجناس ثقافية أخرى تختص بالروايّة العربيّة، لتبلغ مؤلفاته أربعين مصنفاً على اختلاف أجناسها المعرفية. لقد لامست تجربة محفوظ الخمسين عاما. كان شاعراً حداثياً مفعماً بالكآبة والقلق الوجوديّ وبسلبيّة كبيرة، حتى هزيمة 1967 التي شكّلت نقطة تحوّلٍ قاسية ومصيرية لمسيرته، فترك الشّعر إلى المسرح السياسيّ، وكتب «الزنزلخت» الشهيرة، التي تصنّف في طليعة الأعمال الموضوعة محليًّا كنصٍّ أصيل في تاريخ المسرح اللّبناني المعاصر، وحمّلها صيغةً سياسيّة بمضامين ثوريّة ككل مسرحياته اللاحقة، تكاملت مع مفاهيمه بالانتفاض على الحالة الانهزاميّة العربيّة وقتذاك، غير متكاسل عن تقديم الفكرة الخلّاقة التي تبرّز الشعور القومي الذي كان ضرورة، وتوائِم إحساسهُ واهتمامهُ بشؤون مُجتمعه وقضاياه المصيريّة. لم يكن المسرح عمليّة إقبال عفويّة أو خياراً سهلاً لمحفوظ، بل معركةً وجُهداً ونضالاً إبداعيًّا، انتشلت النص من الاقتباس والاعداد عن طريق الترجمة، إلى التّأليف، تأكيداً لكفاءة العقل العربي في التّأسيس لتقاليد كتابة مسرحية خالصة تستلهم الواقع، والعبور بها على سكة اللّبننة إلى الخشبات، مؤكداً أنّ مقاربة محددات المسرح تنظيراً وتطبيقاً، تنهض على ثقافة صانعه واجتهاده، عضوياً لا نظريًّا فحسب، عادّاً الدّراسات الأكاديمية التي تتبنّى المناهج النّقديّة، شّموليّة مقيدة بمعايير مؤطرة قد يُخطىء النّاقد في تطبيقها، وقد يجهلها، ومُشخّصاً علاقة النقد بالابداع من منظور استشرافي يقتضي تشاركية فكرية مع رؤية المؤلّف أمام الجمهور، هذا إلى كونه محاولة واضحة لخلق منصّة نقديّة مُوازية ومواكِبة للنصّ المسرحيّ. لكن هذه التصورات حتّمت على محفوظ أن يكون حجّةً على نفسه، فعاش المسرح كحالة تجريب مُستمر، يمزج الفكرة بالغاية المُلحّة لأجل التغيير، ويبدي عن مستويات قراءاته للتّجربة اللّبنانيّة، من مروحةٍ ثقافيّة تنظِّر وتطبِّق، هي جزء فعّال من جماعة إنسانية وإن اختلفت انتماءاتها الأثنية أو العرقية أو الدينية، مع اعتقاده أن المسرح العربيّ نفسه وبرُمّته حتى الحرب العالميّة الأولى، هو مسرح لُبنانيِّين، من ريادة مارون النقاش عام 1847. لقد قامتْ المُنطلقات النّظرية لعصام محفوظ على الخبرة، وليس أبداً على مدارس نقديّة بعينها، وهو نفسه لم يتعمّد يوماً التّنويه أو الإشارة إلى تأثُّره بمنطلقٍ منهجي محدد، فكان باختصار صاحب رؤية بحثيّة تستحق الاهتمام، ترجمتْ قدرته على القراءة الخاصّة للنصّ الدّرامي ومن ثمّ على قراءة العرض بمكوّناته الفنيّة، وكان بذلك أقرب إلى النّقد الذي لا يخضع لقوانين أرسطية، منه إلى الانكماش على التّأريخ والإحصاء اللّذَين غلَبا على فحوى غالبيّة المراجع النّقديّة اللّبنانية برغم قلّتها. توفي عصام محفوظ، الشاعر والناقد والكاتب المسرحي في 3 شباط عام 2006، مانحاً الحياة دفتراً من الشعر والحب والتراث والفرجة.
الحسام محيي الدين- بيروت
