لم يخفّف اجتماع البيت الأبيض بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من حالة الترقب السائد في الشرق الأوسط بشأن مصير المفاوضات الأميركية الإيرانية، وإمكانية اندلاع توتر عسكري، وسط تعزيزات أميركية إضافية محتملة إلى المنطقة، بينما أشادت تركيا التي تتوسط في المفاوضات، بما وصفته بـ”مرونة الجانبين” واستعدادهما لإبرام اتفاق نووي جديد، لكنها حذرت، على لسان وزير خارجيتها، هاكان فيدان، من أن توسيع نطاق المحادثات ليشمل برنامج طهران للصواريخ الباليستية، قد يؤدي إلى “حرب أخرى”.

وأبقى ترمب على جميع الاحتمالات، بعد اجتماع استمر ثلاث ساعات مع نتنياهو، قائلاً: “لا شيء حاسم تم التوصل إليه”، فيما ذكر بيان لمكتب نتنياهو، بأن الجانبين اتفقا على “مواصلة التنسيق والاتصال الوثيق بينهما”.

ويحاول نتنياهو الضغط على البيت الأبيض من أجل توسيع نطاق المفاوضات مع إيران، لتشمل قدراتها الصاروخية، ووقف دعم الجماعات الإقليمية، وهي ملفات تعتبرها طهران “خطوطاً حمراء”.

ورغم أن ترمب لمح في تصريحات سابقة، إلى أن أي اتفاق نهائي مع إيران يجب أن يشمل برنامج الصواريخ الباليستية ودعم الجماعات الإقليمية وطريقة التعامل مع الاحتجاجات التي شهدتها إيران في ديسمبر ويناير الماضيين، إلا أنه ألمح مؤخراً إلى أن اتفاقاً حول البرنامج النووي “قد يكون كافياً”، وهو ما أثار استياء الإسرائيليين، بحسب صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية.

لقاء ترمب ونتنياهو السابع بينهما خلال الولاية الثانية للرئيس الأميركي التي بدأت في يناير 2025، جاء في وقت تُبدي فيه كل من الولايات المتحدة وإيران “تفاؤلاً حذراً” عقب محادثات غير مباشرة عُقدت في سلطنة عُمان، الجمعة الماضي.

وفي منشور لاحق على منصته للتواصل الاجتماعي، وصف ترمب الاجتماع مع نتنياهو بأنه “جيد جداً”، مضيفاً أنه “لم يتم التوصل إلى شيء حاسم، سوى أنني أصررت على استمرار المفاوضات مع إيران لمعرفة ما إذا كان يمكن إبرام اتفاق أم لا”.

وأضاف: “إذا كان ذلك ممكناً، فقد أبلغت رئيس الوزراء أن هذا سيكون الخيار المفضل. وإذا لم يكن ممكناً، فسنرى ماذا ستكون النتيجة”.

وتابع: “في المرة السابقة قررت إيران أنها أفضل حالاً من دون اتفاق”، قبل أن تتعرض لضربات جوية أميركية، معرباً عن أمله في أن تكون “أكثر عقلانية ومسؤولية هذه المرة”.

تشكيك إسرائيلي في نجاح المفاوضات

بعدما أمضى نحو ثلاث ساعات في البيت الأبيض، غادر نتنياهو بعيداً عن أعين الصحافيين، ولم يعقد مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع ترمب.

ورغم أن ترمب وصف الاجتماع بأنه “جيد جداً”، فإن نتنياهو يُبدي تشككاً كبيراً حيال فرص نجاح المسار الدبلوماسي مع إيران، ويميل إلى دعم خيار التحرك العسكري، وفق موقع “أكسيوس” الأميركي.

وسبق أن أصدر ترمب ونتنياهو تصريحات متباينة علناً قبل الهجوم الإسرائيلي على إيران في يونيو الماضي، قبل أن يتعاونا بشكل وثيق في تلك العملية.

ووفق صحيفة “هآرتس”، فإن نتنياهو كان يعتزم السعي لـ”إفشال أي اتفاق لا يتضمن قيوداً كبيرة على إنتاج الصواريخ الباليستية في إيران، مع تجنب الظهور بمظهر من يدفع الولايات المتحدة نحو حرب ذات عواقب غير محسوبة”.

وبينما شدد ترمب في معظم تصريحاته على ضرورة أن توافق إيران على “عدم امتلاك أسلحة نووية”، فإن إسرائيل تضغط من أجل أن يشمل الاتفاق مخزون إيران من الصواريخ الباليستية.

وأطلقت القوات الإيرانية عشرات الصواريخ على إسرائيل خلال حرب الـ12 يوماً، وتسببت في دمار واسع وقتلت نحو 40 إسرائيلياً، رغم منظومات الدفاع الجوي المتطورة.

وفي بيان عقب اجتماعه مع ترمب، قال نتنياهو إنه “شدد على الاحتياجات الأمنية لإسرائيل في سياق المفاوضات” مع إيران، دون تقديم تفاصيل.

تحذيرات تركية من “حرب أخرى”

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، اعتبر أن الولايات المتحدة وإيران تبدوان مستعدتين لإبداء مرونة من أجل التوصل إلى اتفاق نووي جديد، لكنه حذر من أن توسيع نطاق المحادثات ليشمل برنامج طهران للصواريخ الباليستية، قد يؤدي إلى “حرب أخرى”.

وفي مقابلة مع صحيفة “فاينانشيال تايمز”، أوضح فيدان، الذي تلعب بلاده دوراً في جهود الوساطة، أن واشنطن أبدت استعداداً للمرونة بشأن مطلب رئيسي يقضي بإنهاء إيران جميع أنشطة تخصيب اليورانيوم، وهو شرط شكّل عقبة رئيسية أمام أي اتفاق، إذ تصر طهران على حقها في التخصيب بوصفها طرفاً في معاهدة عدم الانتشار النووي.

وأضاف أن إيران “تريد بصدق التوصل إلى اتفاق حقيقي”، وأنها “قد تقبل بقيود على مستويات التخصيب ونظام تفتيش صارم”، على غرار ما قبلته في اتفاق عام 2015 مع الولايات المتحدة وقوى عالمية أخرى.

وقال فيدان: “من الإيجابي أن الأميركيين يبدون مستعدين لتقبّل تخصيب إيراني ضمن حدود واضحة”. وأضاف أن الإيرانيين يدركون حاجتهم إلى اتفاق، كما أن الأميركيين يفهمون أن لدى طهران خطوطاً حمراء، معتبراً أن محاولة فرض ما يتجاوز تلك الحدود “لا جدوى منها”.

لكنه حذر من أنه إذا أصرت واشنطن على معالجة جميع القضايا في وقت واحد، في إشارة إلى الصواريخ الباليستية ودعم طهران للجماعات في المنطقة، فإن “حتى الملف النووي لن يتحرك.. وقد تكون النتيجة حرباً أخرى في المنطقة”.

وأعرب فيدان عن قلقه من سعي نتنياهو للتأثير على ترمب، مشيراً إلى أن إسرائيل تعتبر الحفاظ على تفوقها العسكري في المنطقة، “أولوية مركزية”، وأن وجود صواريخ إيرانية يعقّد هذا الهدف.

استمرار المحادثات

ولا يزال موعد الجولة الثانية من المفاوضات الأميركية الإيرانية، غير محدد، رغم أن ترمب رجّح عقدها الأسبوع المقبل، فيما قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، الأربعاء، إنه لم يتم بعد تحديد موعد الجولة المقبلة، ولكنه أشار إلى أن الطرفين يرغبان في استمرارها.

ونقل تلفزيون “العالم” الإيراني الرسمي عن لاريجاني قوله: “لم يكن لدينا أي رسالة مكتوبة إلى الأميركيين لكن الأصدقاء في عُمان أجروا بعض الاتصالات وطرحوا علينا بعض الأمور.. قدموا لنا ملاحظات مكتوبة وسلموها لي لنقوم بمتابعتها ودراستها في طهران”.

والتقى لاريجاني، الأربعاء، أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في الدوحة، بعد زيارته إلى سلطنة عمان، دولة الوساطة التي تستضيف المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن.

وذكرت وكالة الأنباء القطرية، أن الشيخ تميم بن حمد ولاريجاني ناقشا “تطورات الأوضاع في المنطقة، والجهود المبذولة لخفض التصعيد وتعزيز الأمن الإقليمي، إلى جانب عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك”.

وقبل الاجتماع مع لاريجاني، أفاد الديوان الأميري القطري، بأن الشيخ تميم بن حمد، بحث مع ترمب تطورات الأوضاع في المنطقة، والجهود الدولية الرامية إلى خفض التصعيد.

وذكر البيان أنه “تم خلال الاتصال تبادل وجهات النظر حول أبرز المستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية، لا سيما تطورات الأوضاع الراهنة في المنطقة، والجهود الدولية الرامية إلى خفض التصعيد وتعزيز الأمن والسلم الإقليميين”.

وأشار البيان، إلى أنه “جرى التأكيد على أهمية مواصلة التنسيق والتشاور إزاء القضايا ذات الاهتمام المشترك، ودعم المساعي الدبلوماسية الهادفة إلى معالجة الأزمات عبر الحوار والوسائل السلمية”.

وفي مسقط، أبدى لاريجاني تفاؤله بإمكانية أن تحمل المرحلة المقبلة “فرصاً لتهدئة استراتيجية، أو على الأقل إعادة تموضع سياسي، وفقاً لما ستؤول إليه نتائج الحوار”.

ويرى ترمب أن “إيران ترغب في التوصل إلى اتفاق”، رغم تلويحه بالخيار العسكري للضغط على المسؤولين في طهران.

وقال ترمب في مقابلة مع قناة “فوكس نيوز بيزنس”: “سنرى ما سيحدث، أعتقد أنهم يريدون إبرام اتفاق، سيكون من الحماقة إذا لم يفعلوا، لقد قضينا على قدراتهم النووية في المرة الماضية، وسنرى إن كنا سنقضي على المزيد هذه المرة”. وأضاف: “يجب أن يكون اتفاقاً جيداً، لا أسلحة نووية، ولا صواريخ”.

الملف النووي

وتصر إيران على أن تشمل المفاوضات مع الأميركيين، الملف النووي حصراً، وترفض أي محادثات حول قدراتها الصاروخية، أو صلاتها بالجماعات الإقليمية.

وقال الأمين العام لمجلس الدفاع، علي شمخاني، الأربعاء، إن “القدرات الصاروخية” التي تمتلكها طهران، “ليست ضمن صلاحيات المفاوضين، ولا موضع تفاوض”.

واعتبر شمخاني، أن “أي تصعيد قد ينعكس على معطيات متعددة ويمتد أثره إلى حياة الشعوب في أنحاء العالم”، معتبراً أن “طبيعة المنطقة وخصائصها تجعل أي مواجهة ذات أبعاد تتجاوز الجانب العسكري، نظراً لما تزخر به المنطقة من موارد وإمكانات واسعة في مجال الطاقة”، حسبما أوردت وكالة “تسنيم”.

وشدد شمخاني، على أنه في حال اندلاع الحرب، فإنها “لن تبقى محصورة في نطاق جغرافي معيّن أو بين طرفين فحسب”.

وسبق لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أن أكد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة تتركز فقط حول البرنامج النووي، معتبراً أن المطالب الأخرى، على غرار البرنامج الصاروخي، “غير مطروحة على الإطلاق”.

ولكن إيران تبدي انفتاحها على محادثات معمقة بشأن ملفها النووي، مع التأكيد على عدم سعيها إلى “السلاح النووي”.

وقال الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان في ساحة آزادي في طهران، خلال إحياء ذكرى ثورة 1979، إن بلاده مستعدة للتفاوض بشأن برنامجها النووي، وتقديم تنازلات في هذا الملف، في ظل محادثات مع واشنطن، لا تزال نتائجها غير مؤكدة.

وشدد بيزشكيان، أن إيران “لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، وهي مستعدة لكل أشكال التحقيق وعمليات التفتيش”، على الرغم من موقفها السابق، واتهامات الوكالة الدولية للطاقة الذرية للسلطات الإيرانية، منذ أشهر، بعرقلة عمليات التفتيش الأممية.

تعزيزات عسكرية أميركية إضافية

ووسط تفاؤل أميركي إيراني حذر، ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال”، نقلاً عن ثلاثة مسؤولين أميركيين، أن البنتاجون “أبلغ مجموعة قتالية ثانية لحاملة طائرات بضرورة الاستعداد للانتشار في الشرق الأوسط”، فيما يتهيأ الجيش الأميركي لاحتمال تنفيذ ضربة ضد إيران.

وقال ترمب، الثلاثاء، إنه يدرس إرسال حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة تحسباً لأي تحرك عسكري محتمل في حال فشلت المفاوضات مع طهران، فيما أضاف أحد المسؤولين أن أمر الانتشار قد يصدر خلال ساعات.

ومع ذلك، شدد المسؤولون على أن ترمب لم يصدر حتى الآن أمراً رسمياً بنشر الحاملة الثانية، وأن “الخطط لا تزال قابلة للتغيير”، وفي حال صدور القرار، ستنضم الحاملة الجديدة إلى حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” الموجودة بالفعل في المنطقة.

وأوضح أحد المسؤولين أن البنتاجون يجهز حاملة طائرات للانتشار خلال أسبوعين، ويُرجح أن تنطلق من الساحل الشرقي للولايات المتحدة.

وتُنهي حاملة الطائرات “يو إس إس جورج إتش دبليو بوش” حالياً سلسلة من التدريبات قبالة سواحل ولاية فرجينيا، وقد تسرع استكمال هذه التدريبات تمهيداً لإرسالها.