أين السينما المصرية من المسابقة الرسمية في مهرجان برلين؟ نشارك دائما كل عام في احد التظاهرات الرئيسة في مهرجان برلين وهذا العام لدينا فيلم (أين المفر) للمخرج الشاب محمد حماد في قسم (البانوراما)، وهو واحد من أهم المخرجين الموهوبين الذين انطلقوا في السنوات العشر الأخيرة قدم وقتها فيلمه الممتع (أخضر يابس)، الذي نال العديد من الجوائز، إلا أنه ظل كل هذه السنوات يبحث عن تمويل لمشروعه الثاني، أغلب المخرجين الذين انطلقوا بعيدا عن القانون الإنتاجي الصارم للسينما المصرية يتعثرون، وبعضهم يحبطون قبل ان يجدوا من يتحمس لحلمهم الثاني، غالبا يصبح الإنتاج المشترك هو (طوق النجاة)، والوجه الأخر لهذا النمط الإنتاجي، كم لا نهائي من نظرات التوجس التي تلاحقهم والسؤال عادة عن التمويل ليس حياديا غالبا يحمل إجابة ويتحول إلى اتهام جاهز من ثلاث كلمات (الإساءة لسمعة مصر)، ونغلق دون هؤلاء المخرجين شبابيك العرض السينمائي، تظل افلامهم في حالة اغتراب عن الجمهور، السينما والابداع بوجه عام يختنق عندما يهبط سقف المسموح، تتحول الأسئلة إلي سهام قاتلة تجهض بعدها العديد من الأفكار.

قبل ان نستغرق في تلك القضية التي تحتاج إلى مساحة أخرى، نعود للسؤال، لماذا نحن بعيدين عن المسابقة الرسمية في مهرجان (برلين)، اعلم بالطبع اننا أبضا يتضاءل تواجد افلامنا في المسابقات الرسمية للمهرجانات الثلاثة الكبرى (كان) و(برلين) و(فينسيا)، إلا أن برلين لم نقتحم المسايقة الرسمية إلا عن طريق يوسف شاهين ، والمشاركة الرسمية في تلك المسابقة مرتبطة فقط باسم يوسف شاهين، مرتين الأولى مع (باب الحديد) 1958 وعرض ليوسف شاهين أيضا على هامش المهرجان فيلمه (جميلة بو حيرد) إنتاج وبطولة ماجدة الصباحي، المشاركة الرسمية الثانية في (برلين) (إسكندر ية ليه) 1979.

أكبر تكريم عالمي ناله يوسف شاهين ومن ثم السينما المصرية هو جائزة (الدب الفضي) أفضل مخرج في (برلين) عن (إسكندرية ليه )، رغم اننا عندما يذكر اسم يوسف شاهين نتوقف كثيرا امام التكريم التذكاري في (كان) 1997 بمناسبة احتفال المهرجان باليوبيل الذهبي مرور 50 عاما علي انطلاقه، ولان هذا المشهد هو الأشهر وتم تناقله على (الميديا) بكثافة هكذا احتل الصدارة دائما، كما أن ارتباط يوسف شاهين بالفرانكوفونية، كلغة وثقافة يدفعنا لكي نشير فقط (كان)، ونغفل أن (الدب الفضي) هي الأكثر جدارة بالحفاوة.

تناثرت قصة وهمية ربما كان مصدرها هو يوسف شاهين، تشير إلى انه كان حتى اللحظات الأخيرة سينال جائزة أفضل ممثل عن دوره (قناوي) في (باب الحديد) لولا أن لجنة التحكيم اعتقدت من فرط اتقانه لدور الأعرج إنه لا يمثل ولكنها طبيعته، وأنهم أقصد اللجنة ندموا بعد أن اكتشفوا بالصدفة وهو يتجول في قصر المهرجان، أنه كان يؤدي الشخصية، اعتبر تلك الحكاية المتداولة مجرد قفشة، بها قدر لا ينكر من المبالغة واللامنطق أيضا، رغم أن الراوي في أكثر من وثيقة هو يوسف شاهين، إلا أن هذا قطعا لا يعني أن يوسف شاهين لم يقدم فيلما استثنائيا ومختلفا كلغة سينمائية، ولكن هناك وكالعادة تحابيش يحلو لنا ان ننثرها بين الحين والأخر من أجل رواج الحكاية.

من يشارك في المهرجانات ليس هو قطعا من يقدم الوجه السلبي للوطن، ولا يمكن أن نعتقد أن هذا هو هدف المهرجانات، عادة ما يواجه مخرجينا تلك المواقف وأكثرهم بالمناسبة يوسف شاهين وآخرهم عمر الزهيري قبل أربعة أعوام بفيلمه (ريش)، يوسف وجد نفسه عام 1991 متهما بالاساءة لسمعة مصر، بعد عرض فيلمه (القاهرة منورة بأهلها) في قسم (أسبوعي المخرجين) بمهرجان (كان).

وطالبت جريدة رسمية، بسحب جواز السفر بمجرد عودته للمطار، وفي اعقاب ذلك ولاني كنت مسؤولا عن النشاط الفني والثقافي وقتها في نقابة الصحفيين عرضت الفيلم مرتين متتاليتين واقمت ندوة ليوسف شاهين كان عنوانها الدفاع عن حرية التعبير. وأكدت ان الفيصل في الابداع ليس ما الذي تقوله في الشريط، ولكن قيمة الابداع تكمن في أداة الاستفهام كيف؟، والحدوتة ليسنت ابدا هي الهدف، وهكذا حظي (إسكندرية ليه) بتلك الجائزة الأهم، لأنه امتلك القدرة على التعبير السينمائي.

والبعض يتوقف أمام التسامح الديني كقيمة قدمها يوسف شاهين في (إسكندرية ليه)، وهو يتناول الجزء الأول من سيرته الذاتية التي بلغت أربعة مقاطع متفرقة ولكن عمقها هو يوسف شاهين، لم يكن الدين المختلف وتلك حقيقة يشكل أي حواجزفي ضمير المصريين يحول دون اللقاء الروحى والوجداني.

(إسكندرية ليه) استحق كل تلك الحفاوة لأن يوسف شاهين يعلم تماما كيف يقدم لغة سينمائية عصرية لا تجيب علي كل الأسئلة بقدر ما تترك هامشا للجمهور ليضع هو الإجابة، افتحوا الباب أمام مبدعينا حتى نعود للتواجد داخل المسابقات االرئيسية في كل المهرجانات وهذا هو دور القوي الناعمة لتثقول للعالم أن (اللي بني مصر كان في الأصل حلواني)، نعم (جينات) مصر الفنية تملك تقديم كل أنواع الحلوى الإبداعية، وبين الحين والآخر نلمح تلك الرائحة علي الشاشات!