فتاة جميلة ذكية..

عبارة قد تكون مفتاح النجاح الذي حققه مسلسل The Queen’s Gambit منذ سنوات، والذي حول بطلته آنيا تيلور جوي إلى نجمة، وساهم في موجة من شعبية لعبة الشطرنج خاصة بين الفتيات.

الآن تعيد نتفليكس العزف على الوتر نفسه، ولكن من خلال فيلم وثائقي يدور عن ملكة شطرنج عبقرية لم يجد الزمان بمثلها، ومن المدهش مقارنة سيرتها برواية The Queen’s Gambit الخيالية، التي كتبها والتر تيفيس ونشرها في مطلع الثمانينيات..حين كانت قصة الملكة الحقيقية بالكاد قد بدأت للتو في بيت صغير فقير في أحد أحياء العاصمة المجرية بودابست.

تجربة علمية

في هذا البيت يقوم أستاذ في علم نفس التربية وأب لثلاث بنات بدراسة تاريخ العباقرة ويتوصل لنظرية مفادها أن العبقرية شيء مكتسب وليس فطريا، وأن التربية المناسبة يمكن أن تجعل من أي طفل، إذا توفرت له الشروط الملائمة، أن يصبح عبقرياً.

يطبق الرجل، واسمه لازلو بولجار، نظريته على بناته زوفيا وسوزان وجوديت، ويختار هو وزوجته لعبة الشطرنج لإنها لا تكلف شيئاً لتعليمها للبنات مع توفير المناخ الملائم: من 8 إلى 9 ساعات تدريب يومياً، لا وقت للمدارس وبالتالي تعليم الفتيات في البيت، توفير الأساتذة والمدربين بقدر الإمكان لمساعدة الفتيات على تطوير مهاراتهن.

بدأت التجربة في 1981، وسط شكوك من المحيطين، ومن السلطة الشيوعية آنذاك التي حاولت تعطيل التجربة وحتى التهديد بسحب الفتيات من أبويهن، ولكن لم تمر سوى بضع سنوات قليلة حتى تحولت الفتيات إلى بطلات في اللعبة، وفي 1988 استطعن السفر إلى الخارج لأول مرة ليمثلن المجر في أوليمبياد الشطرنج الدولي، وعدن بالميداليات الذهبية بعد تفوقهن على أعظم لاعبات العالم وعلى رأسهن فريق الاتحاد السوفيتي الذي لا يقهر، والذي كان قد فاز بكل أوليمبياد شطرنج لعب من قبل!

ولكن من بين الأخوات الثلاث تألقت الصغرى، جوديت، المولودة في 1976، والتي لم تكن قد أكملت عامها الثاني عشر بعد، ولفتت أنظار عالم الشطرنج على الفور. خلال الأشهر القليلة التالية ستصبح أقوى لاعبة في العالم، وفي سن الخامسة عشر وأربعة أشهر ستحصل على أعلى لقب في اللعبة وهو Grandmaster، لتصبح أصغر إنسان على الأرض يحصل على هذا اللقب (حتى ذلك الوقت) ولتسبق الرقم المسجل باسم بوبي فيشرالذي حصل على اللقب وعمره 15 عاما و6 أشهر.

خلاصة حياة عبقرية

لن تتوقف انجازات جوديت بولجار عند هذا الحد، وكلها موثقة بالصوت والصورة والتعليق في فيلم Queen Of Chess، الذي يوفر رحلة قصيرة (94 دقيقة) في حياة وعقل أعظم لاعبة شطرنج عرفها التاريخ، ولا عجب أن يدخل الفيلم على الفور قائمة الأعمال العشرة الأكثر مشاهدة على نتفليكس، ويحتل بعد أيام من عرضه في 6 فبراير الماضي، المركز السابع عالمياً، وضمن الخمسة الأوائل في 18 دولة، والأول في المجر طبعاً.

الفيلم الذي أخرجته وكتبته الأمريكية روري كينيدي (صاحبة العديد من الوثائقيات السياسية المهمة مثل Last Days in Vietnam و Ghosts of Abu Ghraib بالإضافة إلى فيلمها Bobby Fischer Against the World( 2011) والذي يدور عن الشطرنج أيضاً ويتناول حياة العبقري الأمريكي بوبي فيشر، أول من كسر الاحتكار السوفيتي للعبة في بداية سبعينات القرن الماضي، وكان أحد أسباب انتشار اللعبة في العالم، رغم أن الفيلم يركز على أشياء أخرى مثل المرض العقلي لفيشر وتحديه للحكومة الأمريكية وكراهيته لليهود وإسرائيل وملاحقته من قبل السلطات الأمريكية حتى موته مريضاً معدماً في آيسلندا.

على العكس من فيلم بوبس فيشر الثقيل والكئيب، فإن Queen Of Chess فيلم ممتع وخفيف ومليئ بالطاقة الإيجابية والأمل، ولا يعيبه سوى أن روري كينيدي قد حاولت أن تضفي عليه طبقات من العمق والظلال، فلم تنجح سوى في إعطاء الإيحاء بأن الفيلم ليس عميقاً بالقدر الكافي! وحتى تتضح هذه الفكرة يحتاج الأمر إلى تفكيك عدد من المسائل بعضها فني وبعضها يتعلق بمضمون الفيلم.

إشكاليات وثائقية

مبدئياً، أي عمل روائي أو وثائقي عن شخصية حقيقية يطرح إشكالية جوهرية تتعلق باختصار حياة أي شخص في ساعة أو 3 ساعات، كما يتعلق بوجهة النظر المقحمة على هذه الحياة من قبل صناع الفيلم، سواء كان روائياً أو حتى وثائقياً، فلا منجاة على الإطلاق من التداخل والتناقض بين “الحقيقة” ووجهة نظر من يرويها.. وأكبر مثال على ذلك فيلم المخرجة عن فيشر الذي يركز على مشاكل فيشر النفسية متجاهلاً إنجازاته الرياضية العظيمة (التي جعلته شخصية مشهورة تستحق أن يصنع عنها أفلاماً) ما جعل الفيلم غير مفيداً، وربما مضللاً، لأي مشاهد لا يعرف شيئاً عن فيشر.

هنا أيضاً (في Queen Of Chess) تواجهنا مشكلة مماثلة: بتأثير روح العصر والميول السائدة حالياً في السينما والدراما العالمية يلقي الفيلم بثلاثة أوراق على المائدة، دون أن يستطيع أن يعالج أياً منهم بشكل مرضي: الأول هو “استغلال الأطفال”، والثاني هو الاضطهاد السياسي الذي تعرضت له عائلة بولجار قبل انهيار الأنظمة الشيوعية في بداية التسعينيات، والثالث هو الانحياز الجنسي Sexism ضد النساء في عالم الرياضة، وبالتحديد الشطرنج.

تربية أم إساءة؟

السؤال الأول هل تعرضت بنات بولجار إلى الإساءة واستغلال الأطفال Child Abuse بسبب تجربة والدهن؟

يطرح الفيلم السؤال بشكل عابر في بدايته، ويعيد طرحه في النهاية بغرض إضفاء العمق على موضوعه، وللأسف هذا نموذج من طرح قضايا ذات عناوين ضخمة بشكل خاطىء، كل الآباء والأمهات يرغبون في أن يصبح أبناءهم عباقرة، وبعضهم يبذل الجهد، وأحياناً كل جهد ممكن، من أجل تنشئة أطفال متفوقين دراسياً ورياضياً.

وحتى خبراء التربية ينصحون الأهالي بالحاق الأطفال برياض الأطفال والحضانة بمجرد أن يتجاوزا العامين، وكثير من الأطفال يجبرون على الاستيقاظ فجراً للذهاب إلى المدرسة أو لتعلم السباحة أو عزف البيانو أو رقص الباليه، ولمن لا يعلم، وما لا يقوله الفيلم، هو أن تجربة لازلو بولجار لم تكن الأولى ولا الأخيرة من نوعها، وأن العديد من دول العالم قامت بتطبيقها خاصة منذ تسعينات القرن الماضي، ولا تتصوروا أن هؤلاء الأطفال العباقرة الذين ينبغون حالياً في كل أنواع الرياضات والفنون لم يتعرضوا بشكل أو آخر إلى “التجربة” وإلى نوع من “إساءة التعامل” مع الأطفال.

كل أم تعلم ما تتعرض له ابنتها من قبل أستاذة الباليه، وكل أب يعلم ما يتعرض له ابنه من عنف مدرب الكاراتيه أو كرة القدم، ومنذ فجر البشرية يتعرض الأطفال للضغط والعنف النفسي والبدني لكي يصبحوا أقوياء ومتفوقين، أما الـChild Abuse فلا يعني سوى التطرف والمبالغة المؤذية في التربية، والتي تؤدي إلى تنشئة أطفال مرضى نفسيين.

ومن يشاهد فيلم Queen Of Chess، يمكن أن يدرك على الفور أن بنات بولجار نشأن وعشن سعيدات وأصحاء نفسياً، والأهم من ذلك أنهن تحولن من مشروع نساء فقيرات بائسات إلى رمز للنجاح والتفوق، وما لا يعرضه الفيلم أيضاً هو أن الأخت الكبرى، زوفيا، حصلت على بطولة العالم للنساء لسنوات طويلة ثم هاجرت إلى الولايات المتحدة وهي الآن من أشهر المدربات ولاعبات الشطرنج في العالم، أما الأخت الوسطى سوزان التي لم تكن تتحمل الضغوط والتحديات المستمرة فقد قررت أن تعتزل مبكراً وتعيش حياة عادية ناجحة، ولم يمنعها أحد من ذلك.

ومن يشاهد فيلم King Richard، 2021، الذي يتناول ما فعله والد بطلتي التنس فينوس وسيرينا ويليامز من أجل تحولهما إلى بطلات ناجحات، يعرف أن هذا ما يفعله الفقراء، بالمناسبة، لكي يواجهوا تنمر وإضطهاد واستغلال الأثرياء والأنظمة التي لا تهتم بتربية وتنشئة الفقراء.

الخلاصة أن التعامل مع بنات بولجار على أنهن كن “فئران تجارب” هو فكرة خاطئة ومضللة يطرحها الفيلم، والحقيقة أنها كانت “تجربة” حياة عائلية، مثل معظم العائلات الأخرى التي تسعى لتنشئة جيل جديد ناجح. وأعتقد أن الفارق الأساسي يكمن في شيء واحد هو الحب الذي يجب أن يحاط به الأطفال من الوالدين. ومن يشاهد الفيلم، الذي يحتوي بالمناسبة على مواد أرشيفية رائعة من طفولة بنات بولجار، يدرك على الفور أنهن كن محطات بالحب، خاصة من قبل الأم التي لم تتخلى عنهن يوماً، ويكفي أن الفيلم يبلغ ذروته بانتصار جوديت على أعظم لاعب شطرنج وهو جاري كاسباروف، وكان أول ما فعلته بعدها هو الاتصال بأفراد عائلتها لإخبارهم!

ليس الشيوعيون وحدهم

المسألة الثانية المتعلقة بموقف الحكومة الشيوعية من أسرة بولجار، يبين الفيلم بشكل ممتاز الظروف السيئة التي أحاطت بطفولة الفتيات: فقر وبؤس ونظام ديكتاتوري وحكومة تشك في مواطنيها، نظرت بارتياب وشك إلى تجربة آل بولجار وحاولت ايقافها، ولكن بمجرد أن ظهرت بوادر نجاح التجربة غير المسئولون موقفهم وتبنوا بنات بولجار مقدمين لهن كل الدعم، وعلى حد قول جوديت في الفيلم: “تحولنا في ليلة وضحاها من نعاج سوداء إلى فتيات ذهبيات”!

ولكن هل ذلك خاص بالحكومات الشيوعية وحدها؟ من يشاهد فيلم روري كينيدي عن الأميركي بوبي فيشر يمكن أن يلاحظ أنه عاش حياة مماثلة لآل بولجار: فقر وبؤس ومضايقات وملاحقات من الحكومة (التي شكت في كون أمه جاسوسة سوفيتية) قبل أن يتبنوه ويستغلونه للدعاية السياسية لأميركا بعد نجاحه!

الفارق مرة أخرى أن طفولة فيشر خلت من الحب (باستثناء أخته الكبرى) ولذلك نشأ مريضاً نفسياً على عكس بنات بولجار.

حقيقة الانحياز الجنسي

النقطة الثالثة المتعلقة بالانحياز الجنسي ضد النساء في مجال الرياضة، بالتأكيد هذا الانحياز موجود وقديم، وفي معظم مجالات التفوق الجسدي والعقلي. ولكن، والحق يقال، فإن الشطرنج هو أول رياضة فعلية يسمح فيها للنساء باللعب مع الرجال ولم يحدث ذلك مع جوديت بولجار، ولكن مع الروسية التشيكية فيرا مينشيك التي هاجرت مع أسرتها إلى إنجلترا عقب الثورة البلشفية وبدأت في  التنافس مع الرجال منذ بداية عشرينيات القرن الماضي، ولم يعترض أحد من الرجال وقتها على مشاركتها في المسابقات الدولية.

لا يشير Queen Of Chess إلى هذه الرائدة، عن جهل بها ربما، أو لإنه أراد أن يركز على موضوع النسوية الرائج الآن، وفي السياق نفسه يقتبس الفيلم من تصريحات إثنين من أعظم من لعب الشطرنج وهما جاري كاسباروف وبوبس فيشر التي تفيد بأن النساء أقل قدرة على لعب الشطرنج من الرجال، ويكرر الفيلم مرتين قول فيشر أن “النساء لاعبات فظيعات.. ولسن ذكيات بدرجة كافية”.

صحيح، ولكن كل من كاسباروف وفيشر لم يكتفيا بالتراجع عن رأيهما، ولكنهما قاما بالتعاون مع جوديت وتدريبها، يظهر الفيلم علاقة بوجار بكاسباروف التي بدأت بفضيحة قيامه بالغش في أول دور بينهما، ثم خصامها وتصالحهما وقيامه بدعوتها لمعسكر تدريب مشترك. ولكنه يتجاهل تماما أن فيشر سافر إلى المجر في بداية التسعينيات وأقام في بيت عائلة بولجار وقام بتدريب جوديت وإعطاءها كل خبراته وأسراره، وأنها عقب هذا التدريب تحديداً قفزت بمستواها إلى مصاف العشرة الأوائل على العالم!

كما ذكرت الفيلم نموذج للوثائقي الذي يستبعد أشياء ويركز على أشياء، من أجل إضفاء معنى وعمق، يخص صانع الفيلم، حتى لو كان ذلك يخالف الواقع أو يصبغه بلون واحد.

دراما نتفليكسية

نقطة أخيرة فنية تتعلق بتحويل صانعة الفيلم قصة حياة جوديت بولجار إلى دراما تدور حول الصراع بين جوديت وكاسباروف.

في الحقيقة بولجار لم تفز على كاسباروف فقط ولكن على 10 أبطال عالم آخرين، وموضوع فوزها على كاسباروف لا يشكل سوى نقطة في بحر انجازاتها، ربما كان فوزها عليه بعد سنوات من المحاولات الفاشلة هو اللمسة الأخيرة في هذا الإنجاز، ولكنه بالتأكيد ليس أوحدها أو أعظمها، فهناك لاعبون فازوا مرة على كاسباروف بالصدفة ولا يعني ذلك أنهم في عظمة جوديت بولجار.

أخيراً وفي كل الأحوال، هذا فيلم جميل ممتع يحتوي على مواد أرشيفية رائعة، ومنفذ ببراعة في المونتاج والتقطيع بين الأرشيف وأحاديث الشخصيات المعنية وبعض المعلقين من عالم الشطرنج، ويتميز بإيقاع سريع وموسيقى مبهجة، وكل هذه الخلطة “النتفليكسية” المحببة.

* ناقد فني