في رصيد أيمن زيدان ستة كتب (صفحة الفنان على فيسبوك)
إلى جانب حضورهم الفاعل في مجال عملهم الأساسيّ، يبدو لافتاً ورود اسم عددٍ من الممثلين السوريين البارزين على أغلفة كتبٍ ألَّفوها، خاصَّةً أنَّها ليست من نوع الكتابة القابلة للتمثيل البصري والمُعدَّة له، سواء أكان على المسرح أو عبر الشاشة، وإن كان بعضهم مارس ذلك، بل الكتابة الأدبية السرديَّة بأجناسها المختلفة.
يبدو هذا التوجُّه، عربيَّاً، مُميِّزاً للممثِّلين السوريين. تحدثنا سابقاً عن الكتب الثلاثة التي كتبها المخرج الراحل حاتم علي، أما على صعيد الممثلين، فيحضر التأليف الأدبي كما تحضر الكتابة السِيَريَّة، مع الإشارة إلى أنَّ الممثلين الذين سنتطرَّق إلى ذِكر مؤلَّفاتهم متعددو المواهب، وليست الكتابة إلَّا أحدها.
وبما أنَّ ممارستهم الكتابة تأتي في باب الهواية لا الاحتراف، فليس مستوى ما كتبوه موضوع هذه المقالة، وإن كانت كتابات بعضهم لا تخلو من إجادةٍ أتت من كثرة القراءة، التي تُشكِّل أداة استعدادٍ أساسيَّة لتمكُّن الممثل من تقمُّص شخصياته. كما أنَّ الحرب التي عاشتها البلاد تحضر في كتاباتهم، بل إنَّها تبدو السبب في ما كتبوا، خاصَّةً أنَّهم ممَّن بقوا في سورية وعايشوا الصعوبات الأمنيَّة والمعيشيَّة التي مرَّ بها سكَّان دمشق وغيرها من المحافظات والمناطق، وألّفوا كتبهم ونشروها في ظلِّها.
لعلّ الممثل الراحل رفيق سبيعي (1930 ـ 2017)، أحد أهم من رووا سيرتهم الغنيَّة، فقد أصدر سيرته الذاتيَّة عام 1998 بعنوان “ثمن الحب”، بعد أن حرَّرها وأعدها الكاتب وفيق يوسف. يروي سبيعي، الذي أدَّى كذلك عدداً من الأغاني الوطنية والأخرى الخفيفة ذات النفس الكوميدي، رحلته الشاقة خلال خمسين عاماً، التي بدأها في مطلع خمسينيات القرن الماضي في بيئته الفقيرة التي لم تتفهَّم خياره احتراف التمثيل، ثم خروجه من عائلته التي رفضته، وصولاً إلى أدائه الشخصيات التي حاز من خلالها شعبيةً كبيرةً أدخلته بيوت المشاهدين من السوريين والعرب، وفي طليعتها شخصية أبو صيَّاح.
تجدر الإشارة إلى أنَّ هذا الكتاب سبَّب خلافاً بين سبيعي ورفيق دربه في “حمَّام الهنا” دريد لحَّام، إذ اتَّهم سبيعي لحّام بأنَّه لم يكن مُنصفاً في توزيع العائدات الماليَّة التي دخَّلتها أعمالهما المشتركة، ما استدعى أخذاً وردَّاً بين الممثلين.
عُرِف الممثل حسام تحسين بيك بكتابة الأغاني وتلحينها وتأديتها، وأشهرها أغنية “نتالي”، وكتب مسلسل “الكندوش”، الذي ينتمي إلى نمط البيئة الشاميَّة، وقد امتدَّ على جزأين. اشتكى تحسين بيك من سوء إدارة المخرج لهذا المسلسل، والتعديلات التي أدخلها إلى نصه فأفسدت تفاصيل مهمة فيه، لكنَّ هذا لا يمكن أن يحصل في الأدب، لأنَّه الشكل الكتابيُّ الأكثر فردانيَّةً.
في عام 2019، أصدر تحسين بيك كتابه الوحيد “سكَّان هذا الزمن”، وهو عبارة عن روايةٍ قصيرةٍ يتابع فيها أحوال الناس في الزمن الراهن، زمن الحرب والتقنين والقِلَّة الذي عاشته سورية، وزاد من توحُّش البشر وسعيهم إلى انتزاع قوت يومهم بعيداً عن الشعور بحال الآخرين وعذاباتهم، وتسبب في انقلاب حال بعضهم من اليُسر المادي إلى العوز، في مقابل ظهور طبقة جديدة من أثرياء الحرب التي كانت مستخدَمةً قبل سنوات عند الفئة الأولى.
سبّبت السيرة التي كتبها رفيق سبيعي خلافاً بينه وبين دريد لحام
وسط هذا كلِّه، يخوض الراوي، الذي فقد معظم مدخراته فانفضَّ الناس من حوله، صراعاً بين الواقع والذكريات، ويبلغ به حنينه إلى ماضيه الجميل حدَّ الخلط بين الواقع والخيال، وكل ذلك بلغةٍ تشبه سِيَر الحكواتي ونبرته، التي تُداخلها بعض الألفاظ والعبارات العاميَّة. مثالاً على ذلك، نقتبس ما يلي:
“كان في زماني قمرٌ يسهر تحت نوره البشر، وتتوهَّج بتأثيره المشاعر، وتكتب الأشعار وتروى قصص الغرام، وتسرح أمنيات العشَّاق. كثيرٌ من العيون تبكي، وكثيرٌ من العيون تضحك. من خلاله تتلاقى صدق المشاعر والأمنيات، من خلال كثيرٍ من الأغنيات والموسيقى التي تشبه بساط الريح، يركبه كلُّ العشاق والمحبين ويسافرون إلى الحبيب، وكل ذلك مع القمر حتى يغيب”.
أمَّا أكثر الممثلين السوريِّين إصداراً للكتب فهو أيمن زيدان، المعروف عنه حبُّه للشاعر والمسرحي الألماني بيرتولد بريخت، إذ أعدَّ مسرحيَّات له وأخرجها. في رصيد الممثل الذي اشتهر منذ التسعينيات بأداء الأدوار الكوميدية في “يوميات مدير عام” ثم “بطل من هذا الزمان” ستة كتب، خمسٌ منها مجموعات قصصيَّة، وكتابٌ يروي فيه بعضاً من سيرته.
نشر زيدان أول كتبه، الذي يحمل عنوان “ليلة رماديَّة”، في عام 2007، وزادت وتيرة كتابته ونشره في سنوات الحرب السورية، فأصدر مجموعاته الأربع التالية: “أوجاع” (2016)، و”تفاصيل” (2018)، و”وجوه” (2020)، و”حواجز عابرة” (2025). يتناول زيدان في كتبه هذه سنوات الحرب السورية، وانعكاسها وتأثير ظروفها على البشر الذين عايشوا أهوالها، وعلى الأمكنة التي كانت عامرةً بالحياة والنشاط، قبل أن تتهدَّم ويُهجَّر منها أهلها وتخلو من روَّادها.
في سيرته الذاتية التي تحمل عنوان “سأصير ممثلاً” (2022)، نقرأ ما يمكن اعتباره الشرارة التي حرَّضته على الكتابة، حيث يقول: “في إحدى الأمسيات القريبة، وبينما كنت أرتب مكتبتي، وقعت تلك الأوراق بين يدي. وما أن بدأتُ بتصفُّحها حتى طالعتني وجوهٌ مرَّت في حياتي ولم أعد ألتقيها، ولحظات كانت يوماً ما عابقةً بالحلم والحماسة، دروب وأمكنة ما عادت تشبه كُنهها، حكايات حفرت في وجداني آثاراً عميقة، ذكريات متناثرة أشبه بالتداعيات المتدفقة. كل هذا حملني إلى ذاك الزمن الذي أحب، فرميتُ على الورق ما أحسستُ به وما عايشته”.
من المعروف أنَّ الممثل بسام كوسا لم يدرس التمثيل الذي يُتقنه، بل النحت الذي لم يمارسه، ويبدو أنَّه استفاد منه في التدرُّب على أداء شخصيَّاته. في عام 2022، أصدر روايةً بعنوان “أكثر بكثير”.
تُميِّز البشاعة الظاهرية بطل الرواية الذي يحمل اسم مبروك، وهو رجل عازب، بلا عمل ثابت، مدمن على شرب العرق والقراءة، ومنهمك في البحث عن الجمال الداخلي. فهو رغم عدم اجتيازه إلَّا بضعة صفوف في المدرسة، لديه فضول كبير للقراءة والمعرفة، ما يوسِّع دائرة أصدقائه لتشمل، إضافةً إلى السكارى والمتبطِّلين، الأستاذ الجامعي عادل السعيد الذي اضطرَّ للهجرة إلى كندا، والذي تعرَّف إليه عندما عمل ناطوراً في البناية التي يسكن إحدى شققها، ومُعلِّم النول الحكيم الذي يعمل عنده عندما ينقطع من المال، وهو العمل الوحيد الذي أحبَّه من بين الأعمال الكثيرة التي عمل بها، إذ يُشبِّه النسج عليه بالقراءة، أو بكتابة الأسطر في كتاب.
ينتقد كوسا من خلال راويته المظاهر الاجتماعية السلبية، والعادات المتخلفة السائدة، ويرصد ازدياد الفقر والجهل نتيجة النزوح بفعل الحرب، والاستغلال الذي يتعرَّض له هؤلاء بسبب حاجتهم.
يُقدِّم معلِّم النول جواباً لمبروك عن تساؤلاته المُتعلِّقة بأسباب ما يجري في البلاد من حربٍ وفظائع ونزوح، فيفسِّر له الشرخ الاجتماعي الحاصل من خلال مهنته تفسيراً لا يزال صحيحاً حتى اليوم، إذ يقول إنَّ البساط إذا لم يُصنع من خيوط متينة ومتماسكة، وإذا لم تُنسَج هذه الخيوط بعضها مع بعض نسجاً جيداً، فسيتفتَّت ويتمزَّق عند تعرُّضه لأيِّ عاملٍ خارجيٍّ أو مؤثِّر داخليّ.
