Published On 14/2/202614/2/2026

|

آخر تحديث: 09:15 (توقيت مكة)آخر تحديث: 09:15 (توقيت مكة)

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي

share2

تعد أفلام الجريمة التي تعتمد على صراع “القط والفأر” من أكثر الأنواع السينمائية التي تختبر قدرة المخرج على الموازنة بين الإيقاع المتسارع والعمق النفسي للشخصيات.

ويأتي فيلم “الجريمة 101” (Crime 101) للمخرج والمؤلف بارت لايتون ليكون بمثابة رسالة حب معاصرة لهذا النوع من الفن، حيث يستلهم الفيلم روحه من كلاسيكيات السطو الكبرى، لكنه يضفي عليها صبغة واقعية وحداثية مستمدة من عالم الروائي والسيناريست الأميركي دون وينسلو.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of listلص منضبط وشرطي مخضرم

تدور أحداث “الجريمة 101” من خلال سردية محكمة لسلسلة من سرقات المجوهرات الفاخرة التي تحدث بانتظام مريب على طول الطريق السريع 101 في لوس أنجلوس، ليبرز دور الممثل كريس هيمسوورث في تجسيد شخصية “مايك ديفيس”.

وهو لص محترف يمثل النقيض التام لصورة المجرم العنيف؛ إذ يقدس النظام، ويخطط لكل حركة بدقة متناهية، ويعتمد على الهدوء والذكاء التقني لتنفيذ عملياته دون ترك أثر أو إراقة قطرة دم واحدة.

يسعى مايك من خلال هذه السرقات إلى هدف نهائي واحد وهو “مال الاعتزال” الذي يسمح له بالخروج من عالم الجريمة إلى الأبد، لكن المشاهد يكتشف خلف هذا القناع البارد رجلاً شكلته سنوات من الوحدة والشعور بالهجر، مما يجعل من مهنته وسيلة للسيطرة على عالم لم يمنحه يوما شعورا بالأمان.

في الضفة المقابلة، يبرز النجم مارك روفالو في دور المحقق “لو لوبيسنيك”، وهو رجل شرطة مخضرم في شرطة لوس أنجلوس، يعاني من حياة شخصية متصدعة وضغوط مهنية مستمرة، إلا أن ما يميزه هو قدرته الفريدة على رصد الأنماط التي يتجاهلها الآخرون.

يرفض لو الرواية الرسمية التي تعتبر هذه السرقات حوادث عشوائية، ويبدأ في بناء علاقة ذهنية مع اللص المجهول، محاولا التنبؤ بخطوته القادمة من خلال فهم منطق تفكيره.

يقدم روفالو أداء عبقريا يبتعد عن صراخ المحققين التقليدي، ليجسد شخصية مدفوعة بإيمان عميق بالعدالة كقيمة أخلاقية وفكرية، مما يجعل الصراع بينه وبين هيمسوورث صراعا بين عقلين يحترم كل منهما ذكاء الآخر.

ملصق فيلم “الجريمة 101” (آي إم دي بي)

وتكتمل أركان هذه الدراما المعقدة بدخول الممثلة هالي بيري في دور “شارون كومز”، وهي وسيطة تأمين طموحة تمتلك مفاتيح الوصول إلى المعلومات الحساسة حول شحنات المجوهرات.

شارون ليست مجرد شريكة في الجريمة، بل هي تجسيد للغضب المكتوم ضد نظام مؤسسي همش كفاءتها لسنوات، فتجد في عرض مايك ديفيس فرصة لاستعادة اعتبارها المادي والمعنوي.

بيري تضفي على الفيلم ثقلا دراميا من خلال تصويرها للمرأة التي تقف على الحافة، ممزقة بين إدراكها لخطورة ما تفعل وبين رغبتها في التمرد على واقعها الظالم، مما يحولها إلى الضلع الثالث والمحوري في مثلث المواجهة.

ويبرز باري كيوجان في دور “أورمون”، وهو لص شاب ومنافس يتسم بالنزق والعدوانية، ويمثل النقيض الصارخ لمنهج مايك المنضبط، حيث تبرز أهمية دوره كعنصر فوضى يهدد بإفساد الخطة المحكمة، مما يضيف للفيلم توترا إضافيا ينبع من داخل العالم الإجرامي نفسه.

تعتمد الرؤية الإخراجية لبارت لايتون على دمج أسلوب “السينما الواقعية” الذي برع فيه في أعماله السابقة مع جماليات أفلام “النيو-نوار” (Neo-noir) الحديثة، وهي أعمال معاصرة تستلهم روح وشكل النوار الكلاسيكي، التي تتميز بالظلال، والجريمة، والغموض، وأساليب التصوير المعبرة، لكنها تقدم بحس عصري وتقنيات سينمائية حديثة.

وحرص لايتون في كتابته للسيناريو على التوازي التام بين التطور العاطفي والحركة في الفيلم، فلا حركة دون دافع نفسي. ويبدو لايتون وكأنه يقوم بدراسة للنفس البشرية أكثر من كونه يصنع فيلما، ويحاول بجدية أن يفهم ما وراء الفعل الإجرامي.

لون الوحدة

استخدم صانع العمل لوحات لونية باردة يطغى عليها الأزرق والمعدني ليعكسا برودة التخطيط والوحدة التي يعيشها الأبطال، بينما كانت اللقطات الواسعة لمدينة لوس أنجلوس بطرقها السريعة الممتدة تعطي إيحاء بأن الأبطال محاصرون داخل متاهة حضرية لا مخرج منها.

التصوير السينمائي لم يكن مجرد ناقل للأحداث، بل كان أداة لترسيخ حالة القلق الوجودي، خاصة في مشاهد المراقبة الصامتة التي تبرز المسافات الفاصلة بين الصياد والطريدة.

ولعبت الموسيقى التصويرية دورا دراميا مستقلا، إذ تغلبت فيها الإيقاعات الإلكترونية النابضة التي تحاكي ضربات القلب في لحظات الترقب.

كما يلعب المونتاج دورا جوهريا في ضبط إيقاع الفيلم، إذ نجح فريق التحرير في خلق توازن دقيق بين المشاهد الطويلة التي تشرح تفاصيل التخطيط المملة والضرورية، وبين التتابع السريع في مشاهد التنفيذ والمطاردة.

إن الانتقالات الذكية بين وجهة نظر اللص ووجهة نظر المحقق خلقت حالة من “الارتباط المزدوج” (Double Bind) لدى الجمهور، حيث يجد المشاهد نفسه يتمنى نجاح اللص في الهروب، وفي الوقت ذاته يتمنى نجاح المحقق في كشف الغموض، وهذا التذبذب الأخلاقي هو قمة النجاح في أفلام الجريمة المحترفة.

_مارك روفالو وكوري هوكينز في مشهد من فيلم الجريمة 101 (آي ام دي بي)مارك روفالو (يمين) وكوري هوكينز في مشهد من فيلم “الجريمة 101” (آي إم دي بي)

يشارك في طاقم التمثيل أيضا نخبة من الممثلين المساعدين الذين أضافوا أبعادا واقعية لعالم الفيلم، من بينهم صناع العمل في الأدوار الثانوية الذين جسدوا أفراد طاقم الشرطة وعناصر العصابات المنافسة، مما جعل من الفيلم بناء دراميا متكاملا لا يعتمد فقط على نجومية أبطاله، بل على قوة نسيجه الفني الكلي.

والفيلم يقدم برهانا على أن السينما التقليدية عندما تنفذ بحرفة عالية وبفهم عميق للجوانب الإنسانية، تظل قادرة على التفوق على أكثر أفلام المؤثرات البصرية ضخامة، لأنه يلامس في جوهره صراعا إنسانيا أزليا بين الرغبة في التحرر والالتزام بالواجب، وبين الذكاء الفردي وقوة المؤسسة.

وبفضل هذا المزيج بين الأداء التمثيلي الاستثنائي لكل من هيمسوورث وروفالو وبيري، والرؤية الإخراجية الثاقبة لبارت لايتون، والتنفيذ الفني المتقن في التصوير والموسيقى والمونتاج، ينجح الفيلم في إعادة الاعتبار لدراما الجريمة الرصينة ويقدم درسا في كيفية تحويل رواية قصيرة إلى ملحمة بصرية تحبس الأنفاس من اللحظة الأولى وحتى المشهد الختامي الذي يترك الباب مفتوحا لتأويلات متعددة حول مفهوم النهاية والبداية في حياة كل من يختار العيش على حافة القانون.