من عرض لـ”أوبرا فاوست” في دار أوبرا متروبوليتان، نيويورك، 2011 (Getty)

يظل الحب في الرواية العربية، في أقوى نماذجها، هو الشيء الذي يتحكم على نحو شامل في كل المفاصل السردية، فهو “كالشمس يسطع في كل قلب”، كما يقول تولستوي. هذا ما يواجهنا في روايات مثل “يوميات سراب عفان” لجبرا إبراهيم جبرا، أو “خضراء المستنقعات” لهاني الراهب، أو “قصة حب مجوسية” لعبد الرحمن منيف، أو “سلطانة” لغالب هلسا.. والقائمة طويلة جدا.

تقدم لنا هذه الروايات الحب بوصفه الوقود الذي لا يمكن تحريك الأحداث من دونه. ففي كثير من النصوص، يتخذ شكل رحلة روحية تتجاوز العلاقات البينية نحو تماس عميق مع الزمن والذاكرة والجسد واللغة. بل إنه في الكثير من النماذج يسير في ركاب تحولات المجتمع العربي، ليتحدث بلسان فردانيته عن كل الانشغالات المطروحة على المستوى السياسي أو الاجتماعي، كما يظهر في بعض النماذج الأخرى بوصفه مساحة لإعادة التفكير في تمثلات الحرية والهوية والاختيار.

تبعا لذلك، يشكل الحب في رواية “سقف الكفاية” لمحمد حسن علوان تجربة وجدانية تتجاوز حدود العلاقة العاطفية لتغدو مساراً داخلياً يعيد تشكيل الوعي والذاكرة والهوية. فالسارد “ناصر”، في رسالته الطويلة إلى “مها”، يعيش حالة انخطاف شعوري تقود الشخصية إلى فضاءات جديدة من الإدراك، كأن التجربة العاطفية تفتح أمامه أبواب اللغة والذاكرة وتعيد ترتيب علاقتها بالعالم، مما يعطي الحب مكانة مركزية في بناء الهوية الفردية، ويجعل من العلاقة بين الرجل والمرأة مجالاً لاستكشاف التحولات الثقافية والاجتماعية المرتبطة بالحداثة والاغتراب. المدن التي تتحرك داخلها الشخصيات تتحول إلى فضاءات شعورية تعكس حالات العشق، حيث يظهر المكان (من الرياض إلى فانكوفر) كامتداد للحالة النفسية للشخصية الساردة، فيغدو الحضور المكاني جزءاً من التجربة الوجدانية.

الحب في “السندباد الأعمى” تجربة مركبة تعيشها مناير مع زوجها

ويتجسد الحب في رواية “بابا سارتر” لعلي بدر عبر شخصية عبد الرحمن (بابا سارت أو فيلسوف الصدرية) الذي يعيش علاقاته مع النساء باعتبارها جزءاً من مشروعه الوجودي ومن صورته مثقفاً بوهيمياً مهووساً بسارتر وسيمون دو بوفوار. كما أن علاقاته العاطفية لا تقوم على الاستقرار بقدر ما ترتبط بالافتتان وبالرغبة في الالتصاق بالحرية؛ لا وجود للحب لديه، إذ يعتبره حالة ضعف وزيغان تُصيب الوعي فتجعل القبيح جميلاً، بل إن علاقته بزوجته الفرنسية صارت تجسيداً للإخفاق العاطفي الذي مُني به “الفيلسوف”، وقد بدأت العلاقة بينهما تفتر يوم رزقا بتوأم: “عبث” و”سدى”!..  وعلى هذا النحو، يتحول الحب في الرواية إلى عنصر كاشف لتناقضات المثقف الذي يحاول تطبيق أفكار وجودية داخل واقع اجتماعي مختلف.
 
في رواية “زريعة إبليس” لنسرين مؤدب، تتشكل التجربة العاطفية في قلب الرواية ضمن سياق اجتماعي وسياسي معقد (ما بين باريس وبني مطير). فـ”الحب قدر، ولكن القدر لا ينصف الجميع”. هذا ما تعيشه التونسية “حورية التومي” التي تعمل في شركة لأجهزة التبريد بباريس مع العراقي “صابر شاكر” (عالم تبريد وباحث في الموارد المائية)، إذ في ذروة الانسجام العاطفي بينهما تتلقى في اتصال هاتفي خبر غرق والدتها في سد بني مطير (تونس)، فتضطر إلى التوجه إلى قريتها، وهناك تلتقي بـ”مخطوط رواية” تحكي الكثير عن الأنثى الجامحة التي كانتها والدتها.

توظف نسرين مؤدب الحب بوصفه رسائل تربط بين مسارات من الكشف الذاتي، ليس فقط في زمن كورونا (الذات في مواجهة نفسها، وفي مواجهة الخطر الجاثم في الخارج)، بل في زمن الأم، وفي لحظة احتضارها، إذ إن كل لحظة قرب أو ابتعاد تحمل دلالات وجودية عميقة. القرب من الأم على نحو غير مسبوق، والابتعاد عن “مشروع الحبيب” على نحو طارئ وإرغامي.

أما عالية ممدوح، فتستعرض الحب، في روايتها “التشهي”، داخل مناخ المنفى العراقي والذاكرة الجريحة، حيث تتقاطع العلاقات مع الحرب والهجرة والخذلان السياسي. الحب يتحول إلى سجل وجداني للهشاشة الإنسانية، وإلى مساحة لتفريغ الألم وإعادة بناء المعنى، خاصة أن علاقة “سرمد رهان” مع السياسة تتصل بعلاقاته مع النساء التي تنتهي كلها بالفقد، مع “ألف” التي أحبها لكن شقيقه “مهند”(العامل في المخابرات) جذبها إليه، مع المرأة البريطانية التي أغوته وعلمته الإغواء، مع الفتاة الألمانية (ألمانيا الشرقية) التي فقدت هي بلدها، مع المنفى حين يصير النوم مع العابرات هو العمل اليومي للشيوعيين المهزومين، مع جسده الذي يحاول استرجاع قدرته الجنسية…

في “سقف الكفاية” تجربة وجدانية تتجاوز حدود العلاقة العاطفية 

ويحضر الحب في رواية “السندباد الأعمى” لبثينة العيسى كتجربة مركبة تعيشها “مناير” التي ستتزوج رجلاً لن يحبها كما تريد. رجل سيخونها ويجعلها غير مرئية ويُهمشها، وستُنجب منه طفلة لن تراها لتُعمّق جرحها وتطعنها بنفس الشعور الذي طالما حاربته، وهو التجاهل التام. كما أن “عامر” يتخلى مُرغماً عن حقّه في الحب بعدما ارتبطت حبيبته “نادية” بمؤسسة الزواج بسبب الاختلاف المذهبي، مع أنهما يعيشان حالة من الوئام والمحبة. وعلى النقيض من ذلك، فإنّ اقتران “نوّاف” بها، يعكس هذا الوهن في التماسك، فليس ثمّة من مشتركات أو عواطف أو إعجاب بينهما لا في التوجهات أو الميول أو المستوى الثقافي، وليس بينهما سوى المشترك الواهي الذي حجبها عن عامر، والنتيجة أنها تتمرد على علاقة تفتقر إلى كل ما حلمت وطمحت إليه في كل مساراتها الدراسية، ولاسيما الجامعية منها، فتشرع في البحث عن حبيبها الحقيقي، في مغامرة محفوفة باليأس والمخاطر.

في السياق نفسه، يمكن قراءة الحب في رواية “مملكة الفراشة” لواسيني الأعرج، حيث يتشكل معناه الحقيقي من خلال مصائر شخصيات محددة. فـ”ياما”، صيدلانية وعازفة على “الكلارينيت” في إحدى الفرق المحلية “ديبو جاز”، تعيش قصة حب افتراضية على موقع “فيسبوك” مع “فادي” (أو فاوست)، الفنان المسرحي إسباني الأصل الذي استوطنت أسرته في الجزائر بينما غادرها هو ليعرض إحدى مسرحياته في إسبانيا، وهي العلاقة التي امتدت لأزيد من ثلاث سنوات من التواصل وانتظار عودته إلى الجزائر ليعرض مسرحيته فيها، لتكتشف في الأخير أن الفنان المسرحي الذي عاد إلى الجزائر، ليس هو “فادي”، وأن من كانت تتواصل معه هو شخص آخر، اسمه “رحيم”.