«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين-3

    يستدعي فيلم عبد الله الخطيب «وقائع زمن الحصار» (Chronicles from the Siege) (إنتاج جزائري عُرض في قسم «رترسبكتڤ») المقارنة بين ما يقدّمه وما تعرضه معظم الأفلام الأوروبية المشاركة في المسابقة.

    هناك عالمان: واحد مرتاح مادياً وفي معظم نواحي الحياة الأخرى، وإن صادفته مشاكل فهي غالباً من النوع العاطفي. والآخر يرزح تحت نيران احتلال بشع، وأسير ظروف حياتية من أصعب ما يمكن للعقل أن يتخيّله.

    أحياء رغم الموت المطبق

    عبد الله الخطيب أنجز في «وقائع زمن الحصار» عملاً مدروساً على صعيد التنفيذ (ملف مهرجان برلين)

    كما في معظم ما شوهد خلال السنوات الثلاث الأخيرة من أفلام تدور حول غزة، لا يحتوي «وقائع زمن الحصار» على بطولات بل على ضحايا. هو فيلم مؤلّف من 5 قصص، تؤلم أولها أكثر من سواها، لكنها جميعاً تعرض شخصيات تحاول أن تحيا على وقع نمط فرضته الحرب.

    يُفتتح الفيلم بحشد من الأهالي أمام شاحنة توزّع أكياس المؤونة. أحد هؤلاء رجل هزيل اسمه عرفات (نديم ريماوي) يكاد لا يقوى على الوقوف. يُرمى إليه كيس أبيض، لكن ما إن يتلقاه حتى يسرقه منه آخر ويهرب به. يقف عرفات وحيداً. تفرّق الجمع بعد أن فرغت الشاحنة من حمولتها، وبقي هو يراقبها. يعود إلى بيته بصعوبة. رجل يمكن تصديق أنه لم يأكل منذ يومين أو ثلاثة. وما إن يصل حتى يعاود البحث عن طعام، ثم يحاول النوم. يطرق شاب الباب ويمنحه رغيفاً.

    الحكايات الأخرى تعكس جوانب واقعية مختلفة من الوضع القائم. هناك 4 شبّان وفتاة يدخلون ستوديو هرباً من القصف العشوائي. إنه ستوديو تصوير يعود لعرفات (الذي سيظهر لاحقاً في مشاهد قليلة). تنشب خلافات بين شابين بعدما يعمد أحدهما إلى رمي أشرطة فيديو في النار طلباً للتدفئة. الحكايات الأخرى استطرادات مقبولة من حيث ما تعرضه، لكن الفيلم يسجّل في نصف ساعته الأولى معظم ما يريد قوله عن الموضوع.

    من بين هذه القصص محاولة شاب وفتاة الاختلاء في شقة الأول. تفشل المحاولة في كل مرة، إما بسبب القصف وإما بسبب أشخاص يطرقون الباب لسبب أو لآخر. الفكرة تبدو شبيهة بفيلم «كومبارس» (1993) للراحل نبيل المالح (توفي في مثل هذا الشهر سنة 2016).

    بالمقارنة مع فيلم الخطيب الأول «فلسطين الصغرى: يوميات حصار»، يتبدّى الفارق كبيراً بين العملين. في حين بدا في فيلمه الأول أشبه بهاوٍ سعيد بكاميرته، ينجز هنا عملاً مدروساً على صعيد التنفيذ. لا تزال الكاميرا المحمولة حاضرة، لكنها مستخدمة هذه المرة على نحو أفضل.

    من الجانب الآخر

    يدفعنا هذا الفيلم إلى مقارنة مع فيلم آخر حول غزة، إسرائيلي الإنتاج، بعنوان «انهيار» (Collapse) (قسم «فورَم») للمخرجة أنات إيڤن. وهو فيلم تسجيلي مدته نحو ساعة وربع الساعة، يعرض وجهة نظر مخرجته في الحرب، من موقف تعارض فيه هجوم «حماس»، كما تعارض رد فعل الجيش الإسرائيلي الذي تجاوز مواجهة «حماس» إلى استهداف الغزّيين من دون تفريق.

    «هل يمكن أن نسمّي هذا حرباً؟» يتساءل الفيلم، الذي يمسك العصا من الوسط وهو يعرض الحدث وما نتج عنه من دمار. موقف المخرجة يبدو حيادياً نسبياً، لأنها لا تستطيع زيارة غزة، مكتفية بتصويرها من بعيد، ما يجعلها تعتمد أكثر على الجانب الإسرائيلي. في مقدورها تصوير ما أصاب المستوطنات القريبة من الحدود من قتل ودمار. لكنها لا تحبس عواطفها في النهاية؛ فهي انتقادية لنتنياهو، مثل حال كثيرين من الإسرائيليين، وهذا الفيلم لن يغيّر شيئاً لمصلحة أي طرف.

    في نهاية المطاف، ينضم الفيلمان إلى مجموعة متزايدة تضم أفلاماً فلسطينية التوجّه وأخرى إسرائيلية، بعضها حيادي وبعضها ينظر إلى المسألة من زاوية إسرائيلية كاملة.

    وبالنسبة للأفلام التي عالجت الموضوع الفلسطيني (مثل «مع حسن في غزة» لكمال الجعفري، و«صوت هند رجب» لكوثر بن هنية وسواهما)، فإن النجاح الذي حققته والقبول الذي حازته يعودان أيضاً إلى موقف الرأي العام والمثقفين من آثار العدوان الإسرائيلي المدمّرة وسقوط عشرات الألوف من الضحايا.

    عائلة من الجحيم

    «تقليم الورود» (ملف مهرجان برلين)

    في المسابقة فيلم يختلف كلياً، إلا من حيث إبراز الهوّة الشاسعة بين العالمين. فيلم كريم عينوز (من أب جزائري وأم برازيلية) «تقليم الورد» (Rosebush Pruning) كوميديا سوداء حول عائلة ثرية من 5 أفراد (أب، ابنة، وثلاثة أشقاء) يتمتعون بكل شيء ما عدا القيم الأخلاقية.

    هناك الأب الأعمى (ترايسي لتس)، والابنة آنا (رايلي كينوف)، والإخوة روبرت (لوكاس كايج)، وجاك (جايمي بل)، وإد (كالوم تيرنر). يتنفس كل واحد منهم نسيماً مسموماً من العادات والقيم ومشاكل نفسية لا يحاول الفيلم تفسيرها أو تبريرها.

    يبدأ الفيلم بتعليق إد (أفضل أفراد الطاقم أداءً) يستعرض فيه ملامح شخصيته قبل الانتقال إلى سواها. كل شخصية تركيبة نفسية وجنسية معقّدة، تتداخل مع رغبة الشقيق الأكبر جاك في الزواج ممن يحب. يحاول إد إفساح المجال له قسراً في مواجهة بقية أفراد العائلة التي تمارس عليه ضغوطاً نفسية وعاطفية. سرد التفاصيل الدقيقة ليس مناسباً هنا، لأن الفيلم، الذي يشهد عرضه العالمي الأول، يتمحور حول الانحرافات الجنسية لدى الجميع. الشخصية الوحيدة التي لا تمارس سوى النميمة والرغبة في الاستحواذ هي آنا، وإن كان ذلك لا يجعلها أقل شراً.

    قرب النهاية تتحوّل المسألة إلى صراع على القتل: إد، في محاولة لتحرير جاك، يوعز إلى روبرت (أصغرهم سناً) بقتل الأب، ثم يشترك معه في قتل الأم وعشيقتها. بعدها تقتل آنا إد خوفاً منه، فيقتلها بدوره.

    لا يتحوّل الفيلم إلى حكاية بوليسية، كما لا ينجح في جعل الحكاية طريفة، ولا تؤدي السخرية دورها كما يجب. من شاهد أفلام اليوناني يورغوس لانتيموس سيجد أجواء متشابهة. هذا ما يمكن الإحساس به حتى قبل معرفة أن إفثيميس فيليبو هو كاتب السيناريو، وقد سبق أن كتب سيناريوهات لبعض أفلام لانتيموس.

    هذا هو الفيلم الروائي الثاني لكريم عينوز بعد سلسلة من الأفلام التسجيلية. الأول كان «فايربراند» قبل 3 سنوات، ولم يكن بدوره لافتاً. هنا يحاول المخرج تطوير أدواته، لكن أفضل ما يقدّمه يظل في جماليات المشاهد مقابل فراغ في المضامين.