Published On 15/2/202615/2/2026
|
آخر تحديث: 22:41 (توقيت مكة)آخر تحديث: 22:41 (توقيت مكة)
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي
share2
خلال السنوات الأخيرة، اتجه صناع المسلسلات بشكل متزايد إلى تفكيك الصورة الكليشيهية للأسرة، فلم تعد الدراما تتعامل مع البيت بوصفه ملاذا مثاليا تُخفى داخله الأخطاء، بل مساحة تتكشف فيها التناقضات اليومية، وتُختبر فيها قدرة الأهل على الصمود والتعلم المستمر.
ويرتبط هذا التحول بجملة من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب صعود المنصات الرقمية واحتكاك الجمهور بخطابات أكثر جرأة، وهو ما دفع الدراما العربية إلى الاقتراب من تفاصيل البيت كما هو في الواقع: صمت ثقيل، سوء فهم متكرر، خوف من الفشل، وتربية لا تُقدَّم باعتبارها مهمة مكتملة أو وصفة جاهزة، بل مسارا ملتبسا مليئا بالشكوك والقرارات المرتجلة.
اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
وفي هذه القائمة، نستعرض أعمالا لا تكتفي بسرد حكايات عائلية، بل تقترب من صورتي الأب والأم في لحظات الضعف والهشاشة، حين تتقاطع المسؤولية مع العجز، وتنكشف إنسانية الأدوار خلف مثاليتها المفترضة.
ميدتيرم: الأبوة تحت ضغط الإنجاز
أكثر من مليار مشاهدة حققها مسلسل “ميدتيرم”، ينتمي العمل إلى الدراما الشبابية التي تستعرض حياة طلبة جامعيين يواجهون صعابا تدفعهم للعلاج النفسي. لا تتوقف الأزمة عند حدود الامتحانات، بل تمتد إلى البيوت التي يفترض أنها مساحة أمان، بينما يعيش الأبطال داخل أسر مشروخة رغم استقرارها الظاهري.
يرصد المسلسل نماذج آباء منشغلين بالعمل أو بمشكلاتهم الخاصة، يحضرون جسديا ويغيبون عاطفيا، وأمهات تحاول التعويض بطرق متناقضة تتنوع بين التدخل المفرط، والقسوة، والصمت الحاد. وإن كانت العلاقات داخل تلك المنظومة لا تقوم على العنف الصريح، بل على ضغط خفي: توقعات مرتفعة، حوار ناقص، ومشاعر لا يسمح لها بالخروج.
هكذا، يقدم “ميدتيرم” صورة لعائلات غير مثالية، لا لأنها مفككة، بل لأنها بشرية أكثر من اللازم، تتنازعها طموحات جيلين يحاول كل منهما النجاة بطريقته.
سنجل ماذر فاذر: العائلة في ظل الانفصال
اختار مسلسل “سنجل ماذر فاذر” الاقتراب من تجربة الطلاق لا بوصفها نهاية علاقة، بل بداية اختبار طويل للأبوة والأمومة، من خلال قصة أب وأم منفصلين يسعيان إلى حماية طفلهما الوحيد من آثار التوتر، بينما يواجهان ضغوط العمل ونظرة المجتمع للأسر أحادية العائل.
المسلسل لا يمنح شخصياته هالة بطولية؛ بل يترك الإرهاق ظاهرا، والارتباك حاضرا، لحظات الغضب، الإحساس بالتقصير، وحتى الرغبة في الانسحاب، كلها تمر من دون خطاب وعظي، هنا تبدو التربية مسؤولية موزعة لكنها ثقيلة، والحب وحده لا يكفي لتخفيف العبء.
تحت الوصاية: الأمومة في مواجهة القانون
ينطلق مسلسل “تحت الوصاية” من مأساة فقدان الزوج، لكنه سرعان ما يتجاوز الحزن ويغوص في تعقيدات الوصاية القانونية التي تحاصر أما شابة تحاول إثبات أحقيتها في حماية مستقبل أبنائها، ومع صراعها ضد العائلة والمؤسسات، تجد نفسها أمام قرارات صعبة تضعها في مواجهة المجتمع.
الأداء الهادئ لبطلة العمل منى زكي منح الشخصية عمقا إنسانيا، إذ نجحت بتجسيد شخصية أم قلقة تتصرف أحيانا بدافع الخوف أكثر من الحكمة، أخطاؤها ليست ضعفا بل جزء من إنسانيتها. ومع رحيل الأب، لا تتحول ذكراه إلى قداسة، بل إلى فراغ ثقيل يضاعف الإحساس بالمسؤولية.
وقد لاقى العمل أصداء واسعة، مسجلا 61.6 مليون مشاهدة، كما أثار نقاشات برلمانية حول ضرورة تعديل قوانين الأحوال الشخصية والوصاية في مصر.
“إمبراطورية ميم”: الأبوة كمساحة تفاوض
من الأعمال الدرامية التي تناولت فكرة الأبوة بكثير من التفصيل، مسلسل “إمبراطورية ميم” الذي يتمحور حول أب أرمل يربي أبناءه الستة وسط تحولات اجتماعية واقتصادية متغيرة. أعاد العمل تقديم رواية إحسان عبد القدوس بمعالجة معاصرة، بطلها أب حنون أرهقته الأيام، يحاول الحفاظ على تماسك أسرته رغم تمرد أولاده الناتج عن اختلاف رؤاهم للحياة.
وبالرغم من أن العمل يهدف إلى تفكيك صورة الوالد المتسلط، إلا أنه يبرز شخصية الأب من وجهة نظر إنسانية، تاركا الشخصية تتأرجح بين الخوف والرغبة في السيطرة من جهة، والحاجة إلى الإصغاء من جهة أخرى.
موضوع عائلي: تجربة الأبوة متأخرة
تدور أحداث مسلسل “موضوع عائلي” حول رجل يكتشف فجأة أن له ابنة مراهقة، فيجد نفسه أمام مسؤولية مؤجلة، يحاول خلالها تعويض غياب سنوات وبناء علاقة لم تتح لها فرصة التشكل في وقتها الطبيعي.
ورغم الطابع الكوميدي، فإن المسلسل لا يتخلى عن لحظاته المؤثرة، خاصة مع أداء ماجد الكدواني الذي يجسد شخصية أب طيب لكنه مرتبك وغير مدرب على التعبير.
الأبوة هنا ليست سلطة جاهزة بل تجربة قيد التشكل وعملية تعلم مستمرة، بطلها، رجل لا يملك كل الإجابات، كتب عليه اختبار الأبوة في منتصف العمر بما يعنيه ذلك من احتمالات لا نهائية للخطأ.
مسار إجباري: أثر الغياب
تنطلق حبكة مسلسل “مسار إجباري” من مصادفة تكشف لشابين أنهما شقيقان من أب واحد، ما يدفعهما إلى نبش الماضي والبحث عن الحقيقة. ينتمي العمل إلى دراما التشويق، لكنه يستخدم هذا الإطار لطرح سؤال أعمق عن معنى الأبوة وحدود مسؤوليتها.
ومع توالي الأحداث يتحول غياب الأب إلى محور تدور حوله أزمات نفسية واجتماعية متراكمة، فيما يتضح أثره لا على مستوى الرعاية المادية فحسب، بل في تشكيل الإحساس بالهوية والانتماء.
لا يقدم المسلسل الأب بوصفه رمزا للهيبة أو المرجعية السلوكية، بل كشخص اختار الهروب أو الصمت، ليعيد العمل طرح الأبوة باعتبارها التزاما أخلاقيا مستمرا لا صلة بيولوجية عابرة.
تكشف الأعمال السابقة أن الدراما العربية دخلت مرحلة أكثر نضجا في تناول مفهوم الأبوة والأمومة، ومع أن الأسرة قد تبدو خلالها أقل تماسكا، لكنها أكثر صدقا. فحين تتخلى الدراما عن المثاليات، فإنها تعيد الأب والأم إلى حجمهما الإنساني الحقيقي: كائنات تخطئ وتتعلم وتحب رغم كل شيء.
