يشكل مشهد الراب المصري، الذي نما في العقد الماضي من ظواهر هامشيّة إلى مكون رئيسي في المشهد الفني والاقتصادي للإنتاج الموسيقي، حالة فريدة لقراءة التحولات الاجتماعيّة والثقافيّة لجيلٍ كامل. فبينما تطور هذا المشهد من أصوات أولى كانت تعكس تجارب محليّة خالصة، تبلورت تدريجياً نجوميّة مؤسسة على مفهوم موسيقى عالميّة الطموح، تحمل هُوية محليّة ولكن برؤية دوليّة. وفي قلب هذا التطور يقف الفنان أحمد علي، الشهير بـ”ويجز”، الذي تحول من مغني راب إلى ظاهرة استهلاكيّة وفنيّة متعددة الأوجه.
مسيرة ويجز، التي انطلقت بقوة من الإسكندرية رسمت خريطة جديدة لطموح الفنان العربي الشاب، من إحياء الحفلات الحيَّة التي يغص بها الجمهور، إلى التوقيع على عقود إعلانات ضخمة، وصولاً إلى المشاركة في الأعمال الدراميّة. هذه الرحلة، التي توجت بألبوميه التوأمين “عقارب (أ)” و”عقارب (ب)” في نهاية عام 2025، ليست سوى فصل جديد في سردية طويلة، تبدأ بأغنية “ماريغوانا” وتتسارع مع “دورك جاي” في مارس 2020، لتصل إلى ذروة الشعبية مع أغنية “البخت”. إنها قصة انتقال من النمطية الأحادية لموسيقى المهرجانات إلى فهم عميق لمتطلبات سوق معقد، وتطور من فنان يخاطب جمهوراً محدداً إلى نجم قادر على احتواء توقعات قاعدة جماهيرية واسعة ومتنوعة.
الجزء الأول: “عقارب (أ)” – مرآة اليوم الواحد
صدر ألبوم “عقارب (أ)” في أغسطس 2025 كأول ألبوم طويل في مسيرة ويجز، حاملاً معه ثِقَل التوقعات وأعباء التجربة الأولى. حمل الألبوم مفهوماً طموحاً، حيث صُمم لتمثل كل أغنية من أغانيه الاثنتي عشرة ساعة من ساعات اليوم، من الثانية عشرة ظهراً حتى منتصف الليل، كسردية موسيقية تعكس تقلبات المشاعر البشرية خلال دورة يوم كامل. هذا الإطار المفاهيمي أشار إلى رغبة الفنان في تقديم عمل متماسك وذو رؤية، يبتعد عن فكرة “التجميعة” العشوائية. اسم “عقارب” نفسه يحمل تلاعباً لغوياً ذا دلالة مزدوجة، يشير من ناحية إلى عقارب الساعة التي تحكم بنية العمل، ومن ناحية أخرى إلى سُمية العقرب ولسعته، في إشارة مجازية من ويجز إلى شعوره بالتعرض الدائم للمخاطر في قمة المشهد الفني، وكأنه “على بعد لسعة واحدة من التدمير الذاتي”.
على المستوى الموسيقي، اتسم “عقارب (أ)” بلمعان إنتاجي واضح واتجاه صريح نحو صيغة “البوب-راب” العالميّة. جاء الألبوم مصقولاً ومصمماً للانتشار السريع على المنصات الرقميّة، حيث احتوت تراكاته على إيقاعات راقصة وهوكس (خطافات) لحنية سهلة الحفظ. شهد الألبوم تعاونات دوليّة بارزة، مثل أغنية “Girlfriend” مع الفرنسي تايك، و”ماما أفريقيا” مع النيجيري سايي فيبز، و”دي” مع الجزائري سافاج بلغ، بالإضافة إلى التعاون المحلي مع زياد ظاظا في أغنية “غريبة”. لقد حققت هذه التعاونات حضوراً قوياً في لوائح بيلبورد عربية، حيث دخلت ثماني أغنيات من الألبوم لائحة أعلى 50 هيب هوب عربي.
لكن النجاح التجاري والأرقام المصاحبة له لم تحلّ دون تساؤلات نقديّة جادة. الألبوم، رغم أناقته الإنتاجية، تبنى مساراً “آمناً” على حساب روح المغامرة الإيقاعيّة والكتابيّة التي ميزت بدايات ويجز. فالكلمات التي كانت تحكي سابقاً عن صخب المدين والتوتر الطبقي وطموحات الجيل بجمل قصيرة طازجة وجريئة، تحولت في “عقارب” إلى التركيز على البراند الشخصي مع تكرار لمحاور الفخر والتفوق وقدر أقل من الحكاية المشهديّة. حتى التعاونات الدوليّة بدت وكأنها تخدم طموح الانتشار العالمي أكثر من كونها توسعاً حقيقياً لقاموس ويجز الموسيقي. أغنية مثل “غريبة” مع زياد ظاظا، التي تقول كلماتها “الصبح بنشتكي من الزحمة، آخر الليل نشتكي من الوحدة”، تظل استثناءً يعكس التجربة الذاتيّة والجماعيّة، لكنها تبدو مغمورة في سياق ألبوم يفضل القالب على المضمون. “عقارب (أ)” يقدم لنا صورة ويجز النجم العالمي القادر على إدارة مشروع مصقول، لكنه في الوقت نفسه أثار تساؤلاً حول ما إذا كان هذا التوجه يأتي على حساب العناصر التي صنعت تفرد ويجز في المقام الأول.
الجزء الثاني: “عقارب (ب)” – التجريب بين التشتت واللحظات المضيئة
بعد أقل من شهر على صدور الجزء الأول، أعلن ويجز عبر منصاته الاجتماعيّة في سبتمبر 2025 عن تحضيره لإصدار جزء ثانٍ من ألبوم “عقارب”. هذا التصريح جاء استجابة للأصداء الواسعة التي حققها الألبوم الأول، وكشف عن رغبة الفنان في مواصلة الرحلة التي بدأها، أو ربما تصحيح المسار. إذا كان “عقارب (أ)” قد مثل جانباً مصقولاً وموجهاً تجارياً، فإن “عقارب (ب)”، الذي صدر لاحقاً، حمل معه محاولات أكثر وضوحاً للعودة إلى الجذور والتجريب في آن واحد.
يمثل الجزء الثاني توسعاً ملحوظاً في الخيارات الموسيقيّة والتعاونيّة. فنرى تعاوناً غير متوقع مع الفنان اليمني حمود السمه في أغنية “نور عيني”، وهو حلم قديم لويجز، يحاول من خلاله تطعيم أسلوبه بعناصر غنائيّة شرقيّة جديدة. كما يتعاون مع دحوم الطلاسي في “ب.ب. كينج”، حيث يدمج الفلكلور الخليجي مع إيقاعات التراب وإرث مغني الجاز اللامع. لكن يبقى التعاون الأبرز والأكثر رمزية هو دويتو “كلام فرسان” مع العملاق محمد منير. هذا التعاون يتجاوز كونه مجرد أغنية مشتركة؛ إنه إعلان عن شرعية فنيّة، وجسر بين جيلين، وتتويج لمسار تحول ويجز من مغني راب محلي إلى فنان قادر على الوقوف في قلب تراث الموسيقى العربيّة المعاصرة. الاختيارات الموسيقيّة في هذا الجزء تتراوح بين البوب في “مشكلة” مع يونيو، والإلكترونيات في “سويتش”، وحتى نفحات المهرجانات في “مبدأ كله بتمن”.
غير أن هذا التنوع الشديد يطرح إشكاليّة التماسك. يقدم “عقارب (ب)” لحظات فردية مبهرة، إلا أنه يبدو أحياناً كتجميعة تراكات أكثر منه عملاً موحداً. بعض التعاونات تبدو وكأن وجودها يهدف إلى جذب أطراف متنافرة، بينما تنجح أخرى لأنها تنقل ويجز إلى مناطق جديدة عليه فعلاً. النتيجة النهائيّة هي عمل دسم موسيقياً وكتابياً ولكنه يعاني من التشتت. يظهر الألبوم وكأن ويجز يحاول استرضاء جميع الأطراف: عشاق البو، ومتابعي التراب والجمهور المحلي الذي يتوق لسماع لمساته الشعبيّة والمستمع الدولي. هذه المحاولة، وإن كانت تثبت مرونة الفنان وقدرته على التنقل بين الأنماط، إلا أنها تترك انطباعاً بأن الرحلة الشخصية الموحدة التي وعد بها مفهوم “عقارب” قد تبعثرت قليلاً بين هذا الكم من التجارب.
من الراب إلى أيقونة
تمثل ثنائية “عقارب” (أ و ب) مرآة دقيقة للمرحلة الانتقاليّة المعقدة التي يمر بها ويجز. من ناحية، هو الفنان الذي أدرك مبكراً أن البقاء في صندوق الرابر المحلي يقيد طموحاته ويحد من عمره الافتراضي في صناعة تتسم بالتغيّر السريع. رحلته من أغنية مثل “دورك جاي” إلى تعاون مع محمد منير هي قفزة نوعيّة في الفهم الاستراتيجي للصناعة. لقد تحول ويجز من مغني راب لجمهور معين إلى علامة تجارية قادرة على خوض غمار الإعلانات، والتمثيل في مسلسلات مثل “بيمبو”، والتواجد في أغاني الأفلام، وإطلاق ألبوم مثل “جدول الضرب”، بل والاستعداد لأول بطولة سينمائية مطلقة. هذا التحول هو فهم عميق لمتطلبات السوق والربح في عصر تهيمن عليه المنصات الرقمية والاستهلاك السريع.
لكن هذا الفهم يحمل ثمن التساؤل الذي يطرحه ألبوما “عقارب” هو: هل يمكن الحفاظ على التوازن بين الطموح التجاريّ العالميّ والأصالة المحليّة التي شكلت الهويّة الأولى؟ الإجابة ليست بسيطة. تعاونه مع محمد منير إشارة طريق، وويجز لم يعد مجرد مغني، إنه مشروع فني واقتصادي واجتماعي متكامل، يحاول، مثل عقارب الساعة، أن يتحرك باستمرار، حذراً من اللسعة، متطلعاً إلى الأمام، حاملاً معه تناقضات جيله وطموحاته في وقت واحد.
