تواجه ريشة الفنان غسان غايب Ghassan Ghaib معادلة بصرية متوترة بين قطبين متعارضين الأفقي بما يحمله من دلالة الامتداد، التسوية، والركود؛ والعامودي بما يتضمنه من انبثاق، اختراق، وصعود. هذه الثنائية ليست مجرد لعبة شكلية، بل هي قلب المعنى الذي تبنيه اللوحة، وتجعل منه سؤالاً مفتوحاً عن جدلية الحياة. تواجه كتلاً داكنة من الأسود والرمادي، تتوزع على هيئة شريط أفقي كثيف. هذا الأفق ليس مريحاً، إنه أقرب إلى جدار متشقق أو طبقة رسوبية متحجرة، يذكّر بما هو ثقيل ومتراكم وعصيّ على الاختراق. الأفقي هنا ليس فضاءً منفتحاً، بل أرضية خانقة، أفق يحجب الأفق. وكأن غسان غايب يريد أن يقول إن الامتداد الأفقي، بما هو خط الزمن المتتابع أو خط الأرض الممتدة بلا نهاية، قد يتحول إلى سجن بصري يكرر ذاته إلى ما لا نهاية.
أنّ العين لا تتلقّى سطحاً صامتاً بل تدخل في تجربة متوترة، كأنها تعبر حدوداً بين قوتين متعارضتين، بين خط يمتد أفقاً بجموده وثقله، وبين خط يندفع عمودياً بجرأته وطاقته، بين ما يسحبنا إلى سكون الأرض وما ينهض بنا إلى احتمالات العلو. الأفق مشوّش جداً بعيداً عن الفطرة أو البراءة الكونية إن صح اقول، يمكن اعتباره كتلة كثيفة، شريط داكن يفرض على المشهد وزنه الثقيل، كأنه يقيم جداراً يحجب الأفق نفسه، يحيل الامتداد إلى انسداد، ويحوّل الخط الذي عادة ما يوحي بالانفتاح إلى أفق مغلق، غارق في سواده، كأنه أثر زمني لا ينتهي من التراكم والبلادة. هذا الأفق يشبه مسرحاً للحياة اليومية، ثقل العادة، عتمة التكرار التي تسجن العين في أفق لا يَعِد بغير التكرار. فهل وسط هذه العتمة يندفع العمودي، شريط من الألوان المتفجرة، باخضراره يرمز إلى خصوبة الحياة؟ وهل الأحمر يوحي بنبض الدم والحرارة؟ أم أن الأزرق يستدعي صفاء الماء أو عمق الروح؟
الشكل العمودي ليس مجرد خط، إنه شريان ينبثق من قلب اللوحة، يخترق الأفق المظلم ليصوغ احتمالاً آخر. من الناحية البصرية هو اختراق للهندسة ذاتها، كسر لقاعدة الامتداد، وفتح لمستوى مغاير. إنه ليس تابعاً للمشهد، بل هو مركزه النابض، النغمة التي تمنح العمل حياته. إذ يتجلّى التوتر لا الأفق القادر على ابتلاع هذا العمود، ولا العمود قادر على إلغاء الأفق. كلاهما يفرض نفسه، وكلاهما يتغذى على الآخر. الصراع بينهما يشبه جدلية لا تحسم، بل تتكرر في كل نظرة: العين تُسحب إلى الظلام الأفقي، ثم تُرفع إلى الشريان العمودي، ثم تعود، في دوار مستمر، كأنها تجسّد نبضاً أبدياً بين الثبات والحركة، بين السكون والانبعاث. في هذا التوتر يكمن جوهر العمل، ليس كحلٍّ، بل كمعادلة مفتوحة لا تستقر أبداً فهل من منظور رياضي، يمكن القول إن اللوحة أعادت تعريف الإحداثيات ذاتها؟ وهل الأفق هو المحور الذي يمثل الزمن الممتد والتكرار بلا نهاية؟
رمزية هندسية تعكس مصير الكائن، حيث لا يكفي خط الامتداد وحده ليُعرّف الحياة، بل لا بد من اختراقه بمحور يمنحه معنى آخر. جمالياً، فالأشكال تمنح جمالاً من نوع مختلف جمال الصراع، جمال التوتر نفسه. لا صفاء، لا انسجام نهائي، بل انفعال دائم يولد من مواجهة بين اتجاهين متعارضين. هنا لا تُقاس الجمالية بمدى الانسجام بل بمدى القدرة على إبقاء العين في يقظة، في حركة لا تهدأ. إننا أمام عمل يجعل البصر في حالة رياضة داخلية، يتأمل الخطوط والألوان كمن يتأمل صراعاً كونياً يتجلى على سطح محدود. كما يمكن النظر إلى الأفق بوصفه رمزاً للزمن، للذاكرة الثقيلة التي تُكدّس الماضي طبقة فوق طبقة حتى يصبح عائقاً، في حين أنّ العمودي هو رمز للحلم، للرغبة، للحركة التي تريد التحرر من قيود التكرار. الأفق يمثل العادة، الروتين، الثقل الأرضي، بينما العمودي يمثل الروح، الانفلات، الطاقة التي تبحث عن سماء. ومن هذا التوتر يولد المعنى الأعمق أي الإنسان نفسه قائم على جدلية بين ما يقيّده وما يحرره، بين أفقي يربطه بالأرض وعمودي يربطه بما يتجاوزها.
هذه اللوحة تحديدا لا تعكس مشهداً بصرياً فحسب، بل تختزل فلسفة فنية فهي تقول إنّ الحياة ليست أفقاً ممتداً فقط ولا عموداً صاعداً فقط، بل هي التوتر المستمر بينهما. وحين يتخيّل المرء أنّ بإمكانه أن يحيا بخط واحد، ممتداً أفقاً أو مندفعاً عمودياً، يكتشف أن الحياة لا تكتمل إلّا بهذا التناوب، بهذا الصراع الذي لا يُحسم. اللوحة لا تدعو إلى حلٍّ بل إلى اعتراف بأن جمال الوجود يقوم على التوتر ذاته، فهل نحن ممزقون بين الامتداد والانبعاث، بين الثقل والتحليق، بين الأفق والعمود؟
