عبد العزيز بركة ساكن في بلدة سان نازير الفرنسية، 18 نوفمبر 2023 (Getty)
تبدو الرواية السودانية اليوم أكثر انشغالاً بقضايا الحرب والنزوح والغربة وما تفرزه من أسئلة اجتماعية وسياسية وإنسانية معقدة. هذا الانشغال، الذي يتجلّى في أعمال روائية متنوعة، لا يمكن فصله عن مسار طويل ظل فيه هذا الجنس الأدبي يلتقط ما يدور في الساحة السودانية من قضايا وهموم وتحولات منذ أربعينيات القرن الماضي، فالرواية السودانية، منذ نشأتها وإلى اليوم ما هي إلا مرآة لواقع مضطرب تتوالى عليه الأزمات؛ آخرها حرب الخامس عشر من إبريل/ نيسان 2023.
تهتم نماذج عديدة من الرواية السودانية المعاصرة بتفكيك الواقع المأزوم والنظر إليه من زوايا مختلفة سردياً وبنائياً، ويظهر ذلك بشكل جلّي في عدد من الكتابات الحديثة. ففي رواية “الأشوس الذي حلّقت أحلامه مثل طائرة مسيّرة” (منشورات عندليب، 2026) للكاتب عبد العزيز بركة ساكن، تتحوّل الحرب إلى فضاء نصّي متهكّم يفضح وهم الصعود الاجتماعي عبر آلة العنف والارتزاق، ويطرح تساؤلات مهمة حول الدوافع الكامنة وراء الحرب وطبيعة الصراع الذي ينهش جسد السودان.
ويعود السرد في “رقصة الأبنوس” (جاردينيا للنشر والتوزيع، 2025) للروائي محمد رورو إلى صراع القيم بين القديم والجديد، حيث تستعاد تقاليد وقيم مجتمع القرية بوصفها فضاءً رمزياً لمقاومة التشظي واستعادة المعنى المفقود. أما رواية “فم مملوء بالملح” (دار الساقي/ لندن، 2024) للكاتبة ريم جعفر، المكتوبة بالإنكليزية، فتركز على قضايا المرأة والعنصرية، والعادات والتقاليد الجامدة التي تقاوم التغيير، وهي تعبّر عن جيل يواجه الأفكار الرجعية بلغات وأساليبَ عابرة للحدود.
تضيء الأعمال السردية اليوم الدوافع الكامنة وراء الحرب
هذه النماذج، على اختلافها لغة وسرداً وموضوعاً، لا تمثل قطيعة مع تاريخ الرواية السودانية بقدر ما تُجسّد امتداداً لمحطّاتها الأساسية، انطلاقاً من سؤال الاستعمار والتحرر الوطني، مروراً بصراع الهوية والذات والآخر، وصولاً إلى كتابات الهامش والمسكوت عنه.
الهامش والمركز
ابتداءً من أواخر الثمانينيات، اتسمت الرواية السودانية بكثافة الإنتاج وتنوّع الأصوات، وبرز فيها الاشتغال على قضايا الهامش والمكبوت والمستبعد، إلى جانب صعود الكتابة النسوية والسيرة الذاتية بوصفها تقنية سردية مركزية. وقد ارتبط هذا التحول بتغيرات اجتماعية عميقة، منها توسّع التعليم، والانفتاح على العالم، وتفاقم الأزمات السياسية والحروب والنزوح.
في هذه المرحلة، لم يعد صراع الهوية هو المحرك الأساسي للسرد، بل حلّ محلّه الاشتباك مع واقع العنف والتهميش، وذاكرة المهزومين. وتمثّل أعمال كتّاب مثل عبد العزيز بركة ساكن وأبكر آدم إسماعيل وهشام آدم، وسارة الجاك، تعبيراً واضحاً عن هذه الحقبة، حيث أصبحت الرواية فضاءً لتمثيل الواقع السوداني في أقسى تجلياته، عبر سرديات تنطلق من الهامش وتعيد مساءلة البنية الاجتماعية والسياسية بكاملها.
في مرحلة أسبق مع استقلال البلاد عام 1956، تحوّلت الاهتمامات السردية في ظل ازدياد الوعي السياسي وظهور الصراعات الحزبية والعقائدية، وطرح سؤال الهوية: هل السودان عربي أم أفريقي؟ شهدت هذه الحقبة محاولة واعية لفصل الأدب السوداني عن التأثير المصري، والدخول في صراع الهوية بوصفه محوراً مركزياً في السرد. في هذه الحقبة ظهرت أعمال غلب عليها النضج الفني والثراء الموضوعي، وانتقل السرد من الرومانسية إلى الواقعية، مع اشتباك مباشر مع الواقع السياسي والاجتماعي. مثّلت روايات مثل “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح و”حدث في القرية” لإبراهيم إسحق نماذج بارزة لهذه الحقبة.
سؤال التحرر الوطني
في العودة إلى التأسيس، ارتبطت نشأة الرواية السودانية ارتباطاً وثيقاً بسياق الاستعمار الإنكليزي المصري 1899–1956، إذ شكّلت هذه المرحلة الوعاء الذي اختمرت فيه التجارب الأولى. وقد تأثرت الرواية في نشأتها المبكرة بازدهار الفن الروائي في مصر، سواء عبر الأساتذة المصريين العاملين بكلية غوردون التذكارية (جامعة الخرطوم حالياً) أو عبر العلاقات الثقافية والاجتماعية بين البلدين.
وبرزت أعمال مبكّرة، مثل رواية “الفراغ العريض” للكاتبة ملكة الدار محمد، التي كتبتها في مطلع الخمسينيات لكنها نُشرت بعد أكثر من عقدين، واتخذت الرواية مساراً واقعياً ركّز على قضايا الصراع الاجتماعي ووضعية المرأة في ظل الاستعمار. كما برزت في نفس الفترة رواية “تاجوج” (1948) لعثمان هاشم التي عبّرت عن تصاعد الكفاح الوطني والتحرر من المستعمر. اتسمت هذه المرحلة بارتباط السرد بقضايا المرأة والنوع الاجتماعي من جهة، وبقضايا الاستقلال والبطولة الوطنية من جهة أخرى، مع اعتماد واضح على نمط الراوي العليم والاتجاه الواقعي.
