Published On 17/2/202617/2/2026

|

آخر تحديث: 11:55 (توقيت مكة)آخر تحديث: 11:55 (توقيت مكة)

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي

share2

في المخيلة الشعبية لملحمة”حرب النجوم” (Star Wars)، تبدو “تاتوين” كوكبًا بعيدًا يولد من العدم، إذ تظهر صحراء شاسعة، وشمسان، وبيوت محفورة في الأرض، وفضاء اجتماعي قاسٍ يختبر معنى الفقر والنجاة. لكن المفارقة أن هذا “الكوكب” لم يُخلق بالكامل في الاستوديو، بل وُلد، حرفيًا، من تضاريس تونس وهندستها المحلية.

يمتد سحر الجنوب التونسي من مطماطة، التي تشتهر ببيوتها المحفورة تحت الأرض ككهوف دائرية تحمي سكانها من قسوة المناخ، وصولاً إلى كثبان نفطة وتوزر برمالها الصحراوية الشاسعة.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

هناك تبرز مدينة ‘موس إسبا’ (Mos Espa)، وهي الديكورات السينمائية التي بُنيت لتشبه مدناً فضائية وتقع بالقرب من صخرة ‘عنق الجمل’ الشهيرة بتشكيلها الطبيعي الذي يشبه رقبة الجمل.

صار هذا الجنوب، بفرادته، مسرحًا حيًّا للخيال السينمائي، ثم تحوّل لاحقًا إلى “حجّ” لعشاق السلسلة؛ يأتون لالتقاط صورة في المكان الذي صارت فيه الرمال لغة سينمائية عالمية.

لم تعد القصة تلخص حكاية مواقع تصوير فقط، ولكنها تشرح ما الذي يحدث حين تلتقي السينما بمكان “جاهز بصريا”، فقد تمنح قرى كاملة اسما جديدا على خريطة العالم، وقد تفتح بابًا لسياحة ثقافية لا تتوقف حتى بعد مرور عقود على الكاميرا الأولى.

تونس كوكب سينمائي

عندما كان جورج لوكاس يبحث عن شكل كوكبه الصحراوي، لم يحتج إلى “اختراع” العمارة؛ ففي جنوب تونس وجد ما بدا وكأنه عمارة مستقبلية موروثة، كانت عبارة عن بيوت محفورة لتخفيف حرارة الصحراء، وقرى طينية تشبه منشآت فضائية، وفضاءات طبيعية تعطي إحساس “الكوكب الآخر” دون مؤثرات مبالغ فيها.

اختار لوكاس تونس لتكون الخلفية الصحراوية الأساسية في فيلم”حرب النجوم” Star Wars)1977)، وامتد حضورها لاحقًا إلى أفلام من الثلاثية التمهيدية أيضًا. حتى اسم “تاتوين” نفسه يرتبط بتونس؛ إذ تشير المصادر التوثيقية إلى أن الاسم استُلهم من مدينة “تطاوين” (Tataouine) في جنوب البلاد، كما ذكرت صحيفة “الغارديان” في تقرير لها حول أثر المكان في السلسلة.

مشهد من فيلم تهديد الشبح في سلسلة حرب النجوم (آي ام دي بي)مشهد من فيلم تهديد الشبح في سلسلة حرب النجوم (آي ام دي بي)

أكثر نقطة “رمزية” في الحكاية هي مطماطة، فهنا توجد مساكن محفورة داخل الأرض على هيئة حُفر دائرية وغرف تُفتح على فناء داخلي، وهي عمارة محلية عريقة في الجنوب التونسي. رأى جورج لوكاس أن فكرة وجود بيت تحت الأرض يواجه الصحراء مثالية لتحويلها إلى بيت عائلة “لارس” (Lars Homestead)، حيث يعيش البطل “لوك” في بداية الحكاية.

المصدر الأكثر تداولا لتحديد المكان هو فندق “سيدي إدريس” (Hotel Sidi Driss) في مطماطة، الذي استخدم كجزء من ديكور المنزل، وبقي الفندق لاحقا مزارا أيقونيا لجمهور السلسلة.

صنعت السينما مفارقة مدهشة، إذ أن ما كان في الأصل نمطا سكنيًا عمليا لمواجهة قسوة المناخ، صار في عيون ملايين المشاهدين خيالا علميا، حيث توضح مجلة “سميثسونيان” Smithsonian أن لوكاس لجأ إلى هذه المساكن التروغلوديتية (troglodyte dwellings) لأنها عمارة “حقيقية” تمنح مصداقية للمكان السينمائي بعيدا عن اصطناع الاستوديوهات.

إذا كانت مطماطة هي “البيت”، فإن محيط توزر ونفطة كان الفضاء المفتوح بكثبانه وسبخاته. تشير الأدلة الإرشادية والتوثيقات المكانية إلى أن مواقع مثل “عنق الجمل” (Ong Jemel) ارتبطت بديكورات ومشاهد “تاتوين” الشهيرة.

أما مدينة “موس إسبا” (Mos Espa)، وهي المرفأ الفضائي في فيلم “تهديد الشبح”1999 (The Phantom Menace)، فقد بقيت ديكوراتها صامدة وسط الرمال؛ حيث يصفها موقع Atlas Obscura بأنها ديكور مهجور يختبئ في الصحراء التونسية قرب السبخات الملحية.

وتؤكد المراجع التاريخية للتصوير أن العمل في تونس بدأ في مارس/آذار 1976، ورغم أن طاقم العمل واجه أمطارًا غير متوقعة عطّلت تصوير “الصحراء الجافة”، إلا أن النتائج البصرية كانت مذهلة، لاسيما في منطقة “شط الجريد” التي رسمت ملامح المزرعة والبيئة القاسية للكوكب.

الصخور وحكاية الصراع

بالإضافة إلى البيوت، هناك عنصر ثالث جعل تونس هي”تاتوين”، وهي الممرات الصخرية التي تشبه المتاهات الطبيعية، وتصف أدلة مواقع التصوير منطقة “سيدي بوهلال” بأنها (Star Wars Canyon) بسبب استخدامها في مشاهد المطاردات والاشتباكات المبكرة في فيلم 1977.

وفي ثلاثية ما قبل عام 1999، عاد فريق الإنتاج لاستغلال “القصور” (ksour)، وهي مخازن وحصون تقليدية تتميز بغرفها المقبّبة (ghorfas)، مثل “قصر حدادة” و”قصر أولاد سلطان” في جهة تطاوين.

وتوثق قواعد بيانات عالم “حرب النجوم” استخدام “قصر حدادة” لتصوير أحياء العبيد في “موس إسبا”، مما كشف لجمهور عالمي عبقرية العمارة الأمازيغية التي بدت وكأنها قادمة من مجرة أخرى.

لا يمكن فهم سحر تونس دون ظاهرة “حج المعجبين”؛ إذ يأتي المتحمسون من كل حدب وصوب ليعيشوا التجربة في جغرافيتها الحقيقية.

وقد أشارت صحيفة “الغارديان” إلى أن السياح يأتون لزيارة الديكورات والمواقع المرتبطة بالسلسلة، حيث يقفون في فناء مطماطة أو فوق رمال توزر ليقيسوا المسافة بين اللقطة السينمائية وخشونة الواقع.

جانب من ديكور فيلم حرب النجوم المتواجد في منطقة عنق الجمل من الصحراء التونسية -ديكور متواجد في منطقة بتونس (الجزيرة)

ورغم أن بعض هذه المواقع شهدت تدهورا بسبب عوامل المناخ والرياح، كما لفتت مجلة Condé Nast Traveler، إلا أن الشغف بها لا يزال ينمو، مما يدفع البعض للتأكيد على أن هذه المواقع هي إحدى أهم الأوراق الرابحة التي تحاول تونس استقطاب الزوار من خلالها، خاصة بعد فترات الركود السياحي.

تونس لم تمثل دور “تاتوين” فقط، بل منحته روحًا ملموسة، ولم تنقذ السينما القرى بالمعنى المجازي فقط، ولكنها  صنعت “اقتصاد ذاكرة”؛ فمطماطة لم تعد مجرد بيوت تحت الأرض، بل صارت “بيت لوك”، ونفطة وتوزر لم تعد مجرد كثبان، بل أصبحت “ممرات تاتوين” الأسطورية.

استعارت ملحمة “حرب النجوم” الصحراء التونسية، لكنها وقّعت معها عقدًا غير مكتوب على أن تظل الرمال تحمل أثر الكاميرا، وأن يظل العالم يطارد سحر “الكوكب” في مكانه الحقيقي الأجمل في تونس.