تأجيل “8 طلقات” لمحمد سامي وحضور مي عمر في “الست موناليزا” (Getty)
ينطلق غداً الخميس الموسم الدرامي الرمضاني في مصر بأعمال تتنوع ما بين الاجتماعي والأكشن والكوميدي، في سباق محموم يسعى فيه صناع الدراما المصرية إلى استعادة بريق الريادة الإقليمية وسط متغيرات كثيرة طرأت على خريطة الإنتاج هذا العام.
يأتي هذا الانطلاق في وقت شهدت فيه أروقة الاستوديوهات حالة من الاستنفار القصوى لتعويض الغيابات الكبرى، وتجاوز العقبات الإنتاجية التي أدت إلى خروج أسماء ثقيلة من المنافسة، ما جعل الخريطة النهائية تظهر بملامح مغايرة عما كانت عليه في المواسم السابقة، إذ يبرز الاعتماد على الوجوه الشابة والبطولات الجماعية، جنباً إلى جنب مع عودة قوية لرموز فنية غابت لسنوات، في محاولة لإرضاء ذائقة جمهور باتت أكثر تطلباً وتنوعاً.
كان مشهد الانسحابات والتأجيلات هو العنوان الأبرز قبل أسابيع قليلة من انطلاق الماراثون، إذ أصيبت الخريطة بحالة من الارتباك إثر خروج أعمال كانت تعد من الأعمدة الفقيرة للموسم. ولعل أبرز الغيابات التي تركت فراغاً ملموساً هو استمرار غياب محمد رمضان للعام الثالث على التوالي، وهو الذي كان يمثل رقماً صعباً في معادلة الترند والمشاهدات الشعبية. على الرغم من هذه الانسحابات، تشهد الدراما المصرية هذا العام عودة لافتة لأسماء غابت عن الشاشة الرمضانية لسنوات، ما يضفي ثقلاً فنياً على الموسم.
تتصدر النجمة هند صبري المشهد بمسلسل “مناعة”، الذي يمثل عودتها إلى الدراما التلفزيونية المصرية بعد فترة من التركيز على المنصات العالمية؛ إذ تقدم في هذا العمل دراما اجتماعية نفسية معقدة في قصة تلامس قضايا إنسانية شائكة. وأبرز النجوم المشاركين معها هم رياض الخولي، وأحمد خالد صالح، وخالد سليم.
بعيداً عن صراعات الممثلين الشباب، يفرض الممثلون المخضرمون حضورهم هذا العام، إذ تشهد الشاشات عودة جيل الأسماء التي تمنح الدراما عمقاً تاريخياً وفنياً. ويبرز في هذا السياق اسم الممثلة إلهام شاهين من خلال مسلسلها “مزاهر”.
تجسد فيه دور “كودية زار”، وهو عمل اجتماعي يركز على عودة الدراما الإنسانية العميقة إلى الشاشة.
ويحضر الممثل صلاح عبد الله والممثلة ميمي جمال، في أدوار محورية تعكس رغبة الإنتاج في استثمار الخبرات التمثيلية الطويلة لخلق توازن بين حيوية الشباب وحكمة الكبار. هذه العودة للمخضرمين تأتي تزامناً مع استراتيجية تهدف إلى إعادة إحياء دراما الأسرة التي كانت تجتمع حولها العائلات المصرية، بعيداً عن صراعات البلطجة أو العنف التي هيمنت في بعض الفترات.
يطل الممثل ياسر جلال بمسلسل “كلهم بيحبوا مودي”، مواصلاً حضوره، في حكاية حول رجل ثري يعيش حياة باذخة بين السفر وتعدد الزيجات، لكن استقراره ينهار أمام أزمة مالية تعصف بثروته ومستقبله. وفي وسط هذا الانهيار، يجد نفسه محاصراً في دوامة من المواقف الطريفة والمشاكل الناتجة عن علاقاته المتشابكة.
من المفاجآت الكبرى هذا العام، العودة المرتقبة لـ”ماسبيرو” (التلفزيون المصري) إلى ساحة الإنتاج الدرامي من خلال مسلسل “حق ضايع” من بطولة نضال شافعي وتأليف حسين مصطفى محرم وإخراج محمد عبد الخالق. تمثّل هذه الخطوة محاولة لاستعادة قطاع الإنتاج الحكومي لدوره التاريخي في تشكيل الوعي الدرامي، بعد سنوات من التراجع أمام شركات الإنتاج الخاصة.
المسلسل الذي يضم عدداً من النجوم، يهدف إلى تقديم محتوى يلتزم بالمعايير المهنية والقيمية التي اشتهرت بها دراما التلفزيون المصري في عصره الذهبي، ما يراه نقاد خطوة ضرورية لخلق تنوّع في جهات الإنتاج، وضمان وجود أعمال تهتم بالهوية المصرية بعيداً عن الحسابات التجارية الصرفة للمنصات والقنوات الخاصة.
في إطار الرهان على التنوع، تبرز في موسم 2026 ظاهرة الأدوار غير التقليدية، إذ قرر العديد من الممثلين الخروج من جلباب أنماطهم التي حصروا فيها لسنوات؛ إذ نجد الممثل أحمد العوضي في مسلسل “علي كلاي” يحاول أن يجمع بين الأكشن والدراما، من دون أن يقتصر دوره على الأداء العنيف الذي عُرف به.
تتصدر الممثلة التونسية هند صبري المشهد بمسلسل “مناعة”
بدورها، تخوض الممثلة مي عمر سباق رمضان هذا العام بعيداً عن التعاون المعتاد مع زوجها المخرج محمد سامي، عبر مسلسل “الست موناليزا” للمخرج محمد علي والكاتب محمد السيد بشير. تظهر عمر في شخصية مطلّقة تبحث عن حكاية حب جديدة، وتحمل الشخصية اسم العمل، على غرار شخصياتها السابقة مثل “لؤلؤ” و”إش إش” و”نعمة الأفوكاتو”. يواصل محمد عادل إمام رهانه على الأكشن، مجسداً شخصية حمزة الدباح الشهير بـ”الكينج” في مسلسل يحمل الاسم نفسه، من تأليف محمد صلاح العزب وإخراج شيرين عادل.
لا تمكن قراءة خريطة هذا العام من دون الالتفات إلى الوجوه الشابة التي تخوض ساحة البطولة المطلقة لأول مرة. فقد فتحت الانسحابات الكبرى الباب أمام أسماء شابة لتصدر الأفيشات، فيخوض كل من أحمد داش وعصام عمر، تجارب درامية ببطولة مشتركة، مستثمرين النجاحات التي حققاها في أدوار ثانية سابقاً.
يعود حمادة هلال بالموسم الخامس من سلسلة “المداح”، مستكملاً شخصية صابر المداح، الشاب المتدين صاحب القدرات الروحانية التي تجعله قادراً على مواجهة عالم الجن وقوى الشر. يشارك في الكتابة أمين جمال ووليد أبو المجد وشريف يسري، ويخرج المسلسل أحمد سمير فرج.
يفرض الممثلون المخضرمون حضورهم في هذا الموسم بقوة
يخوض الممثل مصطفى شعبان بطولة مسلسل “درش”، مجسّداً شخصية رجل يفقد ذاكرته ويدخل في رحلة استعادة ماضيه. والمسلسل من تأليف محمود حجاج وإخراج أحمد خالد أمين.
وقد واجهت العديد من المشاريع عراقيل أثناء إنجازها بسبب تأخر تصاريح التصوير أو تغيير المخرجين في اللحظات الأخيرة، ما جعل بعض الأعمال تدخل السباق وهي لم تنتهِ سوى من تصوير نصف حلقاتها فقط. هذا الضغط الزمني يضع الممثلين والمخرجين أمام اختبار صعب للحفاظ على جودة الأداء تحت ضغط العرض اليومي.
من أبرز هذه التخبّطات خروج مسلسل “قبل وبعد” من المنافسة الرمضانية، بعدما كانت الممثلة مي عز الدين أعلنت مشاركتها فيه، قبل أن تعلن تأجيل العمل، من دون الكشف عن موعد جديد للعرض. وبرّرت عز الدين قرار التأجيل بأن العمل يحتاج إلى تحضيرات أكبر، إضافةً إلى إعادة كتابة السيناريو. في السياق نفسه، أكد المخرج محمد سامي خروج مسلسل “8 طلقات” من السباق الرمضاني.
واعتذر الممثل كريم عبد العزيز عن المشاركة في الموسم الدرامي خلال رمضان، بسبب انشغاله بتصوير فيلم، رغم اتفاقه المسبق مع السيناريست عبد الرحيم كمال والمخرج بيتر ميمي على تقديم مسلسل صعيدي تدور أحداثه داخل إحدى قرى الصعيد.
وكان آخر عمل تليفزيوني شارك فيه كريم عبد العزيز هو مسلسل “الحشاشين” الذي عُرض في رمضان 2024.
مع ذلك، يراهن المنتجون على أن التنافسية العالية هذا العام ستدفع الجميع لبذل أقصى جهد، خاصة مع دخول المنصات الرقمية شريكاً أساسياً في العرض، ما يتيح للأعمال المصرية الوصول إلى جمهور أوسع خارج الحدود الجغرافية التقليدية.
في الختام، يبدو أن موسم رمضان 2026 في مصر هو موسم إعادة التموضع؛ فبين غياب أقطاب الجماهيرية، وعودة أسماء غائبة، وصعود الشباب، تتبلور خارطة درامية شديدة الثراء والتنوع. الرهان هذا العام ليس على من سيحقق أعلى نسب مشاهدة وحسب، بل على من سيستطيع البقاء في ذاكرة الجمهور بعمل فني متكامل العناصر.
ومع انطلاق صافرة البداية، تتوجه الأنظار نحو الشاشات لمراقبة هذا الصراع الدرامي الممتع، الذي يثبت يوماً بعد يوم أن الدراما المصرية، برغم كل الأزمات والارتباكات، تظل قادرة على الابتكار وتجديد الدماء، وتقديم وجبة فنية تليق بمكانتها التاريخية قوةً ناعمة لا يستهان بها في المنطقة العربية. إنها معركة الإبداع التي تنحاز في النهاية للموهبة الحقيقية والنص الجيد، وهو ما يعد به هذا الموسم الذي يبدو مختلفاً بكل المقاييس عن سابقيه.
