يقول بدر بن عبدالمحسن رحمه الله: “ذبلت أنوار الشوارع وانطفى ضي الشموع”!
وهنا بلا شك لم يكن يقصد مدينة جدة أبدا، فجدة التي أعرفها منذ طفولتي حين كنا نسترق من الإجازة عدة أيام لنزورها هي قصة عشق قديم، مدينة لا تنام، بحرها المتهادي على رمال البحر الأحمر يصنع ذكرى خالدة لكل من يزورها أو يعيش فيها، كبرت جدة وكبر معها التعداد السكاني وكتلة الكثافة البشرية وبالتالي انفجرت في الطرقات أعداد مهولة من السيارات مع ملاحظة أن هناك حوالي 600 – 800 مركبة يوميا يتم إصدار أوراقها من المرور في جدة وهو عدد كبير، فأضحت مدينة الجمال والميادين والتحف المعمارية مزدحمة بشكل لا يطاق، شيئا فشيئا زاد الزحام من سنوات مضت ثم بدت ظواهر التكدس المروري، فيعاد تشكيل الشوارع مرة أخرى بإزالة دوار هنا وإنشاء جسر هناك وبناء كوبري هنا وافتتاح نفق هناك، كانت تلك الحلول مؤشرا على مرونة هذه المدينة الجميلة، لكن في عز عنفوانها أتت كارثة سيول جدة لتكشف لنا واقعا مؤلما، لكن أيضا استطاعت جدة تجاوز المحنة برغبة قيادة وعزم رجال حتى أضحت شوارع جدة ورش عمل متعددة تعمل سنوات حتى تكتمل مشاريع درء السيول وقد كان ولله الحمد.
لكن اليوم عاد الزحام بشكل غريب خصوصا بعد ما حدث من تغيير في تركيبة توزيع الكثافة بعد مشاريع الدولة العظيمة في إزالة المناطق العشوائية؛ فأصبح الزحف للشمال الشرقي بالتحديد ظاهرا للعيان، لذلك ستجد أحياء مثل الحمدانية والريان وأغلب أحياء شرق طريق الحرمين تعاني من هذا الزحام، وكان من الطبيعي أن نشاهد زحام أوقات الذروة في طريق الحرمين والطرق الحيوية كطريق المدينة وطريق الملك مثلا، لكن أن تتحول شوارع جدة كلها لازدحام كامل هو ما كان مستغربا في الفترة الأخيرة وهو ما جعل الأغلب بدأ يتخوف من تكرار ظاهرة زحام الرياض في جدة وأثره على جودة الحياة.
فضجت مواقع التواصل الاجتماعي بهذا الزحام وملاحظة الناس له، وكنت أعتقد أنها مبالغات، حتى جاء ذلك اليوم الذي خرجت فيه على غير العادة في وقت ذروة وشاهدت بنفسي كيف أن المشوار الذي كنت أقضيه في أقل من نصف ساعة عادة، أخذ مني ساعتين وأكثر! حينها قررت تدوين كل ملاحظة شاهدتها في مشواري وكتبتها في حسابي على منصة X موجها رجائي للسادة في إدارة المرور، فجأة تحول هذا المنشور لخلية نحل وانتشر، وانهمرت الردود تؤكد على أن الزحام أصبح لا يطاق، بل وذهب البعض إلى اتهام المرور بالتقصير! بعدها بفترة قصيرة تلقيت اتصالا من مرور شرق جدة ودعيت لمقابلة المسؤول، ولولا أنه لا يرغب بذكر اسمه لكتبته حتى أنصفه، قابلني النقيب المسؤول ثم من هاتفه الشخصي استكملت حوارنا مع ضابط آخر برتبة عقيد وتناقشنا بكل رقي وسمعت منهم ما كفاني لأستوعب بعض الأمور التي كنت أعتقد أن المرور وحده هو من يجب أن يحلها!
والحقيقة أن هذا غير صحيح، وأنا شخصيا أعترف أني كنت أستغرب من بعض تصرفات المرور في جدة وأنتقدها مثل (إغلاق المخارج من وإلى الشوارع الرئيسية أثناء وقت الذروة – إغلاق بعض الدوارات مثل دوار الجمل وقت الذروة) حتى جاء يوم وبالصدفة عايشته أيضا ولم يقم المرور بهذه الإجراءات (الوقتية) إن صح الوصف، فما الذي حدث؟ ازدحام أكثر واختناق أكثر، وهو ما جعلني أتفهم أن للمرور خبرات متراكمة تجعله يتخذ بعض الإجراءات المؤقتة لتحرير حركة مرورية مدروسة بدقة وبلغة الأرقام، لذلك شكرا لكل رجال المرور فردا فردا.
ختاما، أقترح على إمارة منطقة مكة المكرمة أن تشكل لجنة مؤقتة لتلقي ملاحظات ومقترحات سالكي الطرق في جدة، وأن تجمع في هذه اللجنة جميع الإدارات ذات العلاقة مثل المرور والبلدية ووزارة النقل وكل جهة قد توثر على الحركة المرورية بسبب الأعمال الإنشائية، وحينها سيكون هناك تصور كامل للمشكلة والحل، وهذا ما أرجوه.
bassam_fatiny@
