في ظل تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن، تسعى إيران إلى إيصال رسالة ردعية مفادها أن أي هجوم عليها لن يبقى محصوراً عسكرياً، بل ستكون له كلفة اقتصادية وسياسية واسعة النطاق. هذا التصعيد يفتح نقاشاً حيال حدود الردع وإمكانيات التأثير، وخيارات إيران لتفادي هجوم أميركي.
وأفادت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية بأن الإيرانيين حاولوا نقل رسالة إلى الأميركيين مفادها: “إذا تعرّضنا لهجوم فسنضرب الاقتصاد العالمي”. يعتقد الإيرانيون أن إغلاق المضائق سيؤدّي إلى ضغط على الأميركيين لوقف الهجوم على إيران أو لعدم تنفيذه. ويُعدّ إغلاق المضائق وسيلة واحدة من بين عدة وسائل سيستخدمها الإيرانيون للردع، بدءاً من استهداف قواعد الجيش الأميركي في الخليج، مروراً بضرب صناعة النفط والغاز في دول الخليج، وصولاً إلى استهداف الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
وفي هذا الصدد، أعلن المرشد الأعلى الإيراني آيه الله علي خامنئي أن الجيش الأميركي الأقوى في العالم قد يتعرّض لضربة قاسية لا يستطيع معها النهوض، وقال إن الأميركيين يردّدون: “لقد أرسلنا سفينة إلى إيران… حسناً، السفينة بلا شك أداة خطيرة، لكن الأخطر منها هو السلاح القادر على إغراقها في قاع البحر”.
وقالت “سي إن إن” إن إيران استعدّت لما يقرب من نصف قرن لحرب مع الولايات المتحدة. ولعدم قدرتها على مجاراة القوة العسكرية الأميركية، ركزت بدلاً من ذلك على طرق لفرض تكاليف باهظة يمكن أن تهز الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي.
ويُعتقد أن إيران تمتلك آلاف الصواريخ والطائرات بدون طيّار التي يمكنها الوصول إلى القوات الأميركية المتمركزة في عدد من دول الشرق الأوسط. ورغم الضربات الإسرائيلية التي أضعفت التنظيمات المتحالفة مع إيران، إلا أن هؤلاء لا زالوا يلوّحون بالتدخل دفاعاً عنها.
وقد حذرت إيران مراراً من أن أي حرب ضدها لن تقتصر على الشرق الأوسط، بل ستحدث صدمة في جميع أنحاء العالم. على الرغم من عدم تفوّقها العسكري، تتمتع طهران بنفوذ في قدرتها على تعطيل أسواق الطاقة والتجارة العالمية في واحدة من أكثر المناطق حساسية من الناحية الاستراتيجية في العالم.

نساء يلوّحن بالأعلام الإيرانية، (ا ف ب).
تقع إيران، أحد أكبر منتجي الطاقة في العالم، على مضيق هرمز، وهو ممر مائي ضيّق يمر عبره أكثر من خُمس النفط العالمي وحصة كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. وقد هدّد النظام بإغلاقه في حالة تعرضه لهجوم – وهو احتمال يحذر الخبراء من أنه قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الوقود إلى ما هو أبعد من حدود إيران ويؤدي إلى ركود اقتصادي عالمي.
ويقول النظام الإيراني إنه يمتلك قواعد بحرية تحت الأرض على طول سواحل البلاد، مع عشرات القوارب الهجومية السريعة الجاهزة للانتشار في مياه الخليج. أمضى الجيش الإيراني ثلاثة عقود في بناء أسطوله الخاص من السفن والغواصات، مع زيادة الإنتاج خلال السنوات الماضية تحسّباً لمواجهة بحرية محتملة.
وفي هذا الصدد، يقول المحلل العسكري رياض قهوجي، لـ”النهار”، إنّ “إيران تتعامل مع الولايات المتحدة وكأنها قوة موازية لها، متجاهلة أن واشنطن تضع في حساباتها احتمال إغلاق مضيق هرمز، وتُعدّ نفسها لمثل هذا السيناريو”. ويضيف أنّ “الولايات المتحدة تمتلك من القدرات العسكرية ما يكفي لاغراق الأسطول الإيراني بالكامل وإلحاق دمار واسع به. ورغم أن إيران قادرة نظرياً على إغلاق المضيق لبضعة أيام، فإنها غير قادرة على إبقائه مغلقاً لفترة طويلة، وهذه هي المعضلة الأساسية في سلوكها، إذ تحاول إقناع نفسها والعالم بأنها تملك قوة تعادل القوة الأميركية، وهو أمر غير صحيح”.
من جهته، يقول الباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية ناجي ملاعب لـ”انهار” إن إيران، منذ إخضاعها للعقوبات، اعتمدت مبدأً أساسياً في استراتيجيتها العسكرية قوامه أن “أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم”. وفي هذا الإطار، طوّرت قدراتها في مجال المسيّرات وفتحت خطوط إنتاج للمسيّرات والصواريخ.
ويشير إلى أنّ “إيران نجحت عام 2013 في إسقاط طائرة مسيّرة أميركية قتالية كانت تنفذ مهمة فوق جبال تورا بورا في أفغانستان، حيث أُسقطت بحالة شبه سليمة، ما أتاح تفكيكها لاحقاً بالتعاون مع خبراء صينيين، الأمر الذي شكّل نقطة تحوّل في تطوير برنامج المسيّرات الإيراني”. ومع اندلاع الحرب في أوكرانيا، اعتمدت روسيا على المسيّرة الإيرانية “شاهد 136″، في سياق تبادل معلومات وتقنيات عسكرية، حصلت طهران بموجبه على تقنيات صواريخ فرط صوتية، أثبتت قدرتها على الوصول إلى أهداف داخل إسرائيل.
وحيال المقوّمات الحالية لإيران، يلفت ملاعب إلى أنّ حرب الأيام الاثني عشر الأخيرة شهدت مقتل عدد كبير من القادة العسكريين والتقنيين والعلماء الإيرانيين، إضافة إلى تضرر واسع في منظومات الدفاع الجوي المحلية. ويوضح أن إسرائيل مهّدت لعملياتها العسكرية عبر ضرب الدفاعات الجوية الإيرانية، ما سهّل تنفيذ عملياتها خلال حزيران/يونيو الماضي.
ويؤكد أن إيران لا تزال تمتلك ترسانة من الصواريخ الفرط صوتية والمسيّرات القادرة على الوصول إلى مسافات بعيدة، إضافة إلى زوارق متفجرة يمكن أن تشكل تهديداً للسفن العسكرية وحتى التجارية. ورغم أن روسيا والصين لم تقدما دعماً عسكرياً علنياً لطهران بعد أحداث حزيران، فإن ذلك لم يمنع تحديث القدرات العسكرية الإيرانية، ولا سيما في مجالات الدفاع الجوي والصواريخ والبنى التحتية العسكرية، مع اهتمام صيني واضح بهذا المسار.
رغم تراجع قدراتها العسكرية وهجمات إسرائيل السابقة، تواصل إيران تطوير المسيّرات والصواريخ وتهديد المضائق وتأليب وكلائها الإقليميين، فهل يمكن لأي هجوم أميركي تحقيق أهدافه دون تبعات اقتصادية؟
