“تقول الرواية ما يمتنع التاريخ عن قوله”. هذه العبارة هي للكاتب المكسيكي كارلوس فوانتيس، وهي تثير سؤالاً عن التاريخ يقول: لماذا يمتنع التاريخ عن قولٍ ما، وما الذي امتنع التاريخ عن قوله في ماضي بلاده كي يثير هذا الموقف شكوكه واعتراضاته على الصمت أو التجاهل أو الرفض أو أي موقف يمكن من خلاله الولوج إلى كلمة “يمتنع”؟ من المؤكد أن لدى الروائي الكثير من الوقائع التي يمكن أن يكون التاريخ قد امتنع عن قولها، فذهب إلى الرواية كي يقول تلك الوقائع. غير أن التاريخ ليس شخصاً، بل مجموعة كبيرة أو صغيرة من المؤرخين، وهم الذين امتنعوا عن القول الذي يشير إليه الروائي، ومثل أولئك المؤرخين موجودون في كل بلد، وفي بلادنا أيضاً، وقد امتنعوا طوال أكثر من مئة سنة من تاريخ سورية عن قول الكثير من الوقائع.

تضعنا عبارة الروائي المكسيكي أمام نمطين من السرد: أما التاريخي فإنه قد يقول الحقيقة، أو لا يقولها، وقد يقول الحقيقة عن كل ما حدث، في تاريخ أي بلد من البلدان، ذاهباً نحو الموضوعية والعلم والأمانة والصدق، أي معايير النزاهة العلمية والأخلاقية التي ينبغي أن يتصف بها المؤرخ، وقد لا يقول إلا تلك الحقائق التي ترضي السلطات الحاكمة، بل قد يذهب إلى حدود تزوير التاريخ إذا كان هذا التزوير يرضي الحاكم، أو السلطة. والتاريخ الرسمي المكتوب في بلداننا عامة هو تاريخ القادة والحكام والملوك.

يأتي دور السرد الروائي، كي يقدم التعويض في القول المغيب

وهنا يأتي دور السرد الروائي كي يقدم التعويض في القول المغيب، لسرد ما يمتنع التاريخ عن قوله. ولكن إذا كانت الرواية تقول ما يمتنع التاريخ عن قوله، فمن أين يمكن أن تستمد مادتها، موضوعاتها، شخصياتها؟ من التاريخ بالطبع، غير أنه يشغلنا من جديد بالسؤال من أي تاريخ؟ ثمة جواب يتعلق بالشعر، يمكن تعميمه كي يشمل الرواية، كتبته الشاعرة الهندية مينا ألكسندر في مقالة لها بعنوان “ما الفائدة من الشعر؟” (ترجمة محمد ناصر الدين)، قالت فيها: لكن هناك مجرى تحت أرضي مهم من التاريخ، تعلمت أن أتعرف إليه (يمكن التعرف إليه من قبل الروائي أيضاً): رسائل سرية، يوميات، نقوش، خربشات على قصاصات ورق مهربة من السجون. 

حسناً، لا تقول الرواية تاريخاً، بل تلك الأحداث التي امتنع التاريخ عن قولها، إما بسبب المنهج، أو بسبب الموقف الأيديولوجي، أو بسبب اعتبار البشر الذين يصنع التاريخ بأجسادهم وأرواحهم أرقاماً تستخدم، ثم تنسى. ثمة تاريخ لم يكتب غالباً في بلادنا، امتنع المؤرخون عن قوله، وعلى سيرة الخربشات، فليس لدينا تاريخ للسجون مثلاً، علماً أننا في بلاد تعيش على فكرة السجن وتاريخ السجون. لا يقارب المؤرخون حتى اليوم الخربشات، أو تللك القصاصات المهربة، ولا يدخلونها في التاريخ العام، بل إن كثيراً من خربشات السجون السورية محيت، أزيلت تماماً، غباء، أو قصداً كي تخرج من تاريخنا، أو كي تمنع من قول التاريخ. سيكون هذا هو دور الرواية والخيال.

* روائي سوري