«القانون هو العمود الفقري للاقتصاد، وأي هزة في هذا العمود ستصنع زلزالًا في الأسواق.»
الاقتصاد الوطني يسير على شفا قانون، فالقضاة اليوم قد يكون لهم بالغ الأثر على حركة الأسواق غدًا، فكما يمكن لقرار قضائي واحد أن ينتشل اقتصادًا من لُجة الركود أو يجرف الأسواق إلى هاوية التضخم، فإن أي إشارةٍ من المحكمة العليا الأمريكية بخصوص الرسوم الجمركية المحورية لترامب يمكن أن تقلب المعادلات، في مثل هذه اللحظات تحوم الأسئلة الفلسفية حول توازن السلطات: هل تكفي قوانين الطوارئ لحماية الاقتصاد أم أن سلطة التشريع وحدها هي الضمان؟
عرض الخبر
في أحدث تقييمات الأسواق التنبؤية (Prediction Markets)، بلغت احتمالات إلغاء المحكمة العليا الأمريكية للرسوم الجمركية التي فرضها ترامب حوالي 74% لصالح اعتبارها غير قانونية، وعلى الجبهة القانونية، فقد أيدت المحاكم الأدنى هذا الاتجاه: ففي أغسطس 2025 قضت محكمة استئناف فدرالية (بقضية مقسومة 7-4) بأن معظم هذه الرسوم باطلة قانونًا، مشيرةً إلى أن قانون الطوارئ الاقتصادي الدولي (IEEPA) لا يمنح الرئيس صلاحية صريحة لفرض رسوم جمركية جديدة ،وفي نوفمبر 2025، أبدى القضاة خلال الجلسات الاستماعية شكوكًا واضحة تجاه شرعية هذه الإجراءات؛ فقد لاحظوا أن القانون المذكور «لا يحتوي على أي إشارة إلى الرسوم الجمركية»
ومن المتوقع أن تصدر المحكمة العليا قرارها في القضية بنهاية فبراير الجاري (موعد تنتهي فيه عطلتها الشتوية)، بعد أن قررت المضي بسرعة في هذه المنازعة.
قانونيًا، يعني حكم المحكمة بصلاحية القائم بالتشريع (الكونغرس) فقط فرض الضرائب والجمارك، ومن ثم إبطال رسوم الطوارئ يضع الإدارة أمام خيارين: إما التراجع وإلغاء هذه الرسوم وإعادة مبالغها (ربما تجاوزت المئة مليار دولار حتى الآن)، أو محاولة إعادة فرضها عبر تشريعات أخرى مثل قانون التجارة (Sections 301/232) مع قيود أكثر تشددًا.
اقتصاديًا، فإن رفع الرسوم المفروض قد يخفف العبء على الشركات المستوردة ويخفض التضخم على المدى القصير، لكنه يزيد من الضبابية السياسية ، تشير تحليلات مؤسسة RBC إلى أن النتيجة، مهما كانت، ستأتي في «لحظة حاسمة» قد تؤثر على معنويات المستثمرين حول إطار العمل التجاري في أمريكا ومع شركائها، وفي الوقت ذاته، حذّر ترامب من أن إبطال هذه الرسوم سيؤدي إلى «كارثة اقتصادية وأمن وطني» بحسب ما نقلت وكالات الأنباء، في حين نقلت إحصاءات رسمية أن المستوردين الأمريكيين يدفعون رسوماً تتجاوز عشرات المليارات شهريًا.
التأثيرات المتوقعة
: في ظل غموض حكم المحكمة و«كابوس» الديون الجمركية، يميل الذهب عادة إلى صعود كملاذٍ آمن، فكلما ازدادت تقلبات الأسواق وارتفعت المخاطر السياسية أو المالية، لجأ المستثمرون إلى المعدن الأصفر وإذا ما أدى الحكم المحتمل إلى تقلبات الدولار، فقد يعزز ذلك الطلب على الذهب (وخلافًا لنظريات التضخم المباشر، يميل الذهب للصعود أمام الأزمات القانونية والسياسية، وهو ما قد يرفعه فوق 1,900 أو 2,000 دولار للأونصة في الأجل القصير).
الأسهم الأمريكية: لن تترك الشركات الأمريكية الكلية والجمعية الخبر دون أثر، فخفض الرسوم الجمركية يعني انخفاض كلفة المواد والآلات المستوردة على الشركات الصناعية والتقنية الكبرى، مما قد يُعزز من أرباحها وهوامشها المستقبلية، بالتالي قد يستفيد عملاقو التكنولوجيا (مثل شركات صناعة الإلكترونيات والهواتف) والصناعات الثقيلة (كالسيارات والطيران) من بيئة تجارة أكثر انفتاحًا ومع ذلك، قد يزداد التذبذب مؤقتًا عند صدور الحكم: فإذا رأت الأسواق أن إزالة الرسوم تعني تحسنًا في السلسلة الإمدادية العالمية، فقد تشهد الأسهم صعودًا، أما إذا كان الشك يهيمن فقد تختبر تراجعات مؤقتة قبيل الاستقرار مجددًا.
العملات الرقمية: وسط زلزال محتمل للعملة الأمريكية وارتفاع مخاطر التضخم السياسي، قد تعود العملات الرقمية مثل والإيثريوم إلى دائرة الضوء كمخزن للقيمة البديل، فالمستثمرون الذين فقدوا الثقة جزئيًا في الدولار قد يلجأون مرة أخرى إلى الأصول المشفرة ويجدر بالذكر أن مشاعر السوق العالمية تعتبر البيتكوين «نسخة رقمية من الذهب»، فيميل الطلب عليه إلى الارتفاع في فترات انعدام اليقين النقدي ورغم تقلبات العملات الرقمية العالية، فإن الحركات الجذرية في سياسات الدولار والاحتياطي الفيدرالي قد تعطيها زخمًا إيجابيًا، ما لم تتدخل الجهات التنظيمية.
رأي المستشار المالي
يرى أبرز المستشارين الماليين والمُديرين المحافظ الاستثمارية أن حكم المحكمة لن يكون سوى «ضجيج قصير الأمد» على العوائد المالية. فهم يدعون إلى الحيطة والتنويع: «هذا ضجيج عناوين صحفية وليس إشارة لتعديل المحافظ»، كما نصحوا بالمحافظة على الاستثمارات عالية الجودة ذات السيولة الجيدة ويقولون إن التركيز يجب أن يبقى على العوائد الثابتة قصيرة الأجل وخفض المخاطر بدلاً من التفاعل العاطفي مع كل نبأ سياسي.
خلاصة نصيحتهم: «شاهد وانتظر» ولا تغيّر في توزيع الأصول كثيرًا نتيجة لقرار واحد، مع التركيز على الدخل الثابت المختصر المدى وتنويع الاستثمار.
تحليل فني مختصر
من زاوية التحليل الفني، قد يُلاحظ صعود محدود في سعر الذهب بحيث يختبر مستويات مقاومة سابقة، ما قد يدل على إمكان المضي في اتجاه صعودي إذا انكسر، أما المؤشرات الأمريكية الرئيسية (مثل ) فلا تزال في اتجاه صعودي معتدل، مع احتمالية تراجع قصير الأجل قبل استئناف الاتجاه الصاعد الأساسي وبالنسبة للعملات الرقمية، فإن أي كسر لحواجز فنية رئيسية (كارتدادات الشراء في البيتكوين حول 47 ألف دولار) قد يطلق موجة جديدة من الصعود، خاصة مع فورة الاهتمام الناجمة عن الأحداث الاقتصادية الراهنة.
الخاتمة
مهما كان قرار المحكمة العليا، فإن انعكاساته ستتجاوز حدود وول ستريت إلى الاقتصاد العالمي بأسره، فإما سنشهد تكريسًا للرقابة القضائية على السلطة التنفيذية وإشارة واضحة بأن حقوق التجارة والتشريع في أيدٍ نيابية، أو سيعاد فتح حوار دولي حول أثر السياسات الحمائية الأمريكية المتطرفة.
في الأحوال كلها، فإن نتيجة القضية ستحمل رسالة عن مدى استقرار النظام المالي العالمي: هل سيظل الدولار والاتفاقيات التجارية كما تعودنا، أم أن أزمة الثقة ستجرنا إلى حقبة جديدة من إعادة التوازن؟
المستقبل يعتمد على تفاصيل هذا الحكم.
