المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI، وحدة الدراسات والتقارير “1”
روسيا والناتو ـ مفاوضات سويسرا حول أوكرانيا، لماذا يبدو السلام أكثر تعقيداً من الحرب؟
مفاوضات جنيف حول اوكرانيا الروسية–الأوكرانية، والتي دخلت عامها الرابع وسط أجواء دولية مضطربة. المفاوضات، التي جرت في فندق يومي 17 ـ 18 فبراير 2026 “InterContinental Geneva” برعاية الولايات المتحدة، جمعَت وفوداً رفيعة المستوى من روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة، في محاولة لإحياء مسار سلام طال انتظاره بعد جولات سابقة في أبو ظبي ومقاربات أميركية متعددة. مثّل الجانب الروسي وفد بقيادة كبير المفاوضين فلاديمير ميدينسكي، أحد أبرز مستشاري الرئيس الروسي، فيما قاد الجانب الأوكراني الوفد مسؤولون كبار من المجلس الوطني للأمن، في محاولة للتفاوض حول القضايا الأكثر تعقيداً في النزاع. الجانب الأميركي شارك عبر مبعوثين من الإدارة الأميركية بقيادة ستيف ويتكوف ومستشارين من البيت الأبيض، في إطار مساعي واشنطن لتقديم حل تفاوضي يحول دون تصعيد أوسع في أوروبا. الولايات المتحدة الأمريكية
بدأت المحادثات بجولة أولى استمرت نحو ست ساعات، تركزت بشكل رئيسي على المسائل الأمنية والإنسانية، في ظل توتر واضح بين الوفود. كما جرت على مدى يومين متتالين مناقشات وصفتها المصادر المشاركة بأنها “متوترة للغاية” بين الأطراف حول مصير الأراضي المتنازع عليها، خصوصاً إقليم دونباس ومحطة الطاقة النووية في زابوريجيا، إضافة إلى طبيعة الضمانات الأمنية التي يجب أن ترافق أي اتفاق.بعد اختتام الجلسات، لم تُحرز المفاوضات اختراقاً سياسياً واضحاً. وصف زيلينسكي المحادثات بأنها “صعبة” وأكد استمرار الخلافات حول القضايا الجوهرية، بينما أشاد المبعوث الأميركي بتقدم “هام” في النقاشات، خصوصاً في ما يتعلق بمراقبة وقف إطلاق النار المقترح. إلا أن المسائل المتعلقة بالسيادة الإقليمية والضمانات القانونية لم تُحل، ولم يتم الاتفاق على جدول زمني محدد للجولات المقبلة.
في أعقاب الجولة، أكدت مصادر رسمية روسية أن نتائج المفاوضات سيُرفع بها تقرير إلى الرئيس الروسي بوتين للتقييم، في حين برز حديث غربي عن احتمال استمرار المباحثات في جولات مستقبلية، في ظل استمرار الضغوط الدولية لإيجاد صيغة سلام.يمكن قراءة نتائج جنيف الحالية في ضوء عدة سيناريوهات مستقبلية للمسار التفاوضي هو استمرار المحادثات بوتيرة بطيئة دون اختراق حاسم، مع إدارة للصراع عبر اجتماعات دورية تُبقي الباب مفتوحاً للحديث عن آليات مراقبة وقف إطلاق النار والدخول في تفاصيل فنية أخرى، مركّزة على الملفات الأمنية والإنسانية. الولايات المتحدة الأمريكية
ماهو دور أوروبا في المفاوضات؟
تلعب أوروبا دوراً في هذا السياق، وإن لم تكن طرفاً مباشراً في طاولة جنيف. الحضور الأوروبي على هامش المفاوضات واهتمام العواصم الأوروبية بتطورات جنيف يعكسان إدراكاً بأن أي تسوية في النزاع لن تؤثر فقط على أوكرانيا وروسيا، بل على الأمن الأوروبي بشكل عام، ولهذا تسعى عواصم الاتحاد الأوروبي إلى ضمان أن تكون لها شراكة فاعلة في أي حل سواء من خلال الضمانات الأمنية أو الدعم المالي وإعادة الإعمار. وفي الوقت ذاته، عبرت بعض الدوائر الأوروبية عن تشككها في نوايا الجانب الروسي بشأن التوصل إلى اتفاق سريع، معتبرة أن موسكو تستخدم المحادثات في بعض الأحيان كأداة ضغط لتخفيف العقوبات أو تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية أوسع. تظل جنيف محطة مهمة في مسار طويل من المفاوضات التي لم تُفض بعد إلى وقف شامل للحرب، لكن حضورالأطراف الدولية المختلفة واهتمام القادة بتقديم حلول تقنية وسياسية يشير إلى أن الجهود الدبلوماسية ستستمر، حتى وإن كان الطريق نحو اتفاق نهائي بعيداً عن الحسم في هذه المرحلة.
هل تريد أوروبا فعلاً إنهاء الحرب ؟
في خضم الحرب الروسية–الأوكرانية، يتكرر سؤال جوهري في الأوساط السياسية والإعلامية: هل تريد أوروبا فعلاً إنهاء الحرب، أم أنها تساهم في إطالتها عبر التشدد في شروط التسوية؟ هذا السؤال لا يُطرح فقط في سياق الجدل الدعائي بين موسكو وخصومها، بل أصبح جزءاً من نقاش أوسع داخل القارة الأوروبية نفسها، حيث تتباين الرؤى حول كيفية إدارة الصراع وتوقيت إنهائه وشروطه. الموقف الرسمي لـ الاتحاد الأوروبي يقوم على دعم سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها، مع التأكيد على ضرورة الوصول إلى “سلام عادل ودائم”. هذه العبارة باتت لازمة في الخطاب الأوروبي، وهي تحمل في طياتها رفضاً لأي تسوية تُكرّس تغيير الحدود بالقوة أو تمنح شرعية لنتائج عسكرية تُفرض تحت ضغط السلاح. من هذا المنطلق، ترى بروكسل ومعها عواصم أوروبية رئيسية أن إنهاء الحرب لا يجب أن يكون مجرد وقف لإطلاق النار، بل اتفاقاً يعالج جذور الأزمة ويمنع تكرارها. الولايات المتحدة الأمريكية
هل استمرار الحرب يعيد توحيد الغرب ودور حلف شمال الأطلسي؟
يواجه الطرح الأوروبي اتهامات متصاعدة بأنه، عملياً، يعرقل مسارات التفاوض عبر وضع شروط مرتفعة السقف، أو عبر دعم كييف عسكرياً بما يشجعها على الاستمرار في القتال بدلاً من تقديم تنازلات. ويستند هذا الاتهام إلى فرضية مفادها أن استمرار الحرب يستنزف روسيا ويعيد توحيد الغرب ويعزز الصناعات الدفاعية الأوروبية ويُعيد تثبيت دور حلف شمال الأطلسي في المشهد الأمني للقارة. وفق هذا المنطق، تصبح إطالة أمد الصراع مصلحة استراتيجية غير معلنة لبعض الدوائر الأوروبية.
لكن قراءة أكثر تدقيقاً تُظهر أن الصورة أكثر تعقيداً. أوروبا دفعت ثمناً اقتصادياً وسياسياً باهظاً نتيجة الحرب. أزمة الطاقة التي انفجرت مع تراجع الإمدادات الروسية، وارتفاع معدلات التضخم، وزيادة الإنفاق الدفاعي، كلها عوامل ضغطت على الحكومات الأوروبية وأثارت توترات داخلية. في هذا السياق، يصعب القول إن القارة تستفيد اقتصادياً من استمرار القتال. بل على العكس، هناك تيار سياسي وشعبي داخل عدة دول أوروبية يدفع نحو وقف سريع للحرب لتخفيف الأعباء الاقتصادية والاجتماعية. الجدل الحقيقي داخل أوروبا لا يدور حول الرغبة في السلام من عدمها، بل حول طبيعة هذا السلام. هناك من يرى أن تجميد القتال دون تسوية سياسية شاملة سيؤدي إلى صراع مجمّد ينفجر مجدداً بعد سنوات، وأن أي تنازل إقليمي قد يشكل سابقة تهدد النظام الأمني الأوروبي الذي تشكل بعد الحرب الباردة. هذا القلق يجعل بعض العواصم تفضّل استمرار الضغط العسكري على موسكو إلى أن تتحسن شروط التفاوض، حتى وإن طال أمد الصراع نسبياً.
في المقابل، يبرز اتجاه أكثر براغماتية داخل القارة، يعتبر أن الاستنزاف المتبادل لا يخدم الاستقرار الأوروبي، وأن فتح نافذة تفاوضية حتى لو كانت غير مثالية قد يكون أقل كلفة من حرب طويلة مفتوحة. كما توجد تيارات سياسية، خاصة في بعض الأحزاب اليمينية والشعبوية، تدعو إلى تقليص الدعم لكييف وإنهاء الحرب بأي صيغة ممكنة، انطلاقاً من أولويات داخلية تتعلق بالاقتصاد والهجرة والأمن الاجتماعي. الولايات المتحدة الأمريكية
العلاقة بين كييف والعواصم الأوروبية؟
أما العلاقة بين كييف والعواصم الأوروبية، فهي بدورها تخضع لحسابات دقيقة. انتقادات زيلينسكي لبعض المواقف الأوروبية لا تعكس قطيعة بقدر ما تعكس ضغطاً سياسياً يرمي إلى تسريع تسليم الأسلحة والتمويل وتشديد العقوبات. أوكرانيا تدرك أن الدعم الأوروبي عنصر أساسي في صمودها، وأوروبا تدرك أن أي تسوية مستقبلية ستتطلب دوراً مالياً وأمنياً أوروبياً كبيراً في إعادة الإعمار وترتيبات الضمانات. الولايات المتحدة الأمريكية
العلاقة بين ضفتي الأطلسي؟
تخشى بعض العواصم الأوروبية من احتمال التوصل إلى تفاهمات كبرى بين واشنطن وموسكو تعاد من خلالها صياغة ترتيبات الأمن الأوروبي دون مشاركة فاعلة من الاتحاد الأوروبي. هذا الهاجس يعزز رغبة أوروبا في البقاء لاعباً مركزياً في أي مسار تفاوضي، ويُفسّر حضورها الدبلوماسي المكثف ومحاولاتها التأثير في شروط النقاش حول وقف النار أو الضمانات الأمنية. لا يبدو أن أوروبا تسعى إلى إطالة الحرب بوصفها هدفاً بحد ذاته، لكنها أيضاً لا ترغب في إنهائها بشروط تعتبرها تهديداً طويل الأمد لأمنها. هذا التوازن الصعب بين الرغبة في الاستقرار والخشية من تسوية هشة يضع القارة في موقع معقد: فهي ليست مجرد داعم خارجي لكييف، ولا وسيطاً محايداً بالكامل، بل طرفاً يتأثر مباشرة بنتائج الصراع ويحسب كلفته الاستراتيجية بعناية. الولايات المتحدة الأمريكية
إن توصيف أوروبا بأنها “تعرقل المفاوضات” قد يعكس جانباً من الحقيقة من زاوية من ينتقد تشددها، لكنه لا يختزل كامل المشهد. فالقضية لا تتعلق برفض السلام، بل بالخلاف حول تعريفه وشروطه وضماناته. وفي هذا الفارق تكمن العقدة الأساسية التي تجعل المسار التفاوضي بطيئاً ومتعثراً، وتُبقي السؤال مفتوحاً حول متى وكيف يمكن أن تنتهي الحرب بصورة تُرضي الأطراف المعنية وتُطمئن القارة الأوروبية إلى مستقبلها الأمني.
روسيا والناتو ـ مفاوضات سويسرا حول أوكرانيا، لماذا يبدو السلام أكثر تعقيداً من الحرب؟
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
