رأي خاص لـ “بصراحة”: السذاجة والحب… حين يجتمعان، يتحوّلان إلى عدوّين للإنسان. لأن القلب، عندما يسبق العقل، يُربك البوصلة: نفقد منطقنا، يتراجع ذكاؤنا، يتعطّل حسّنا النقدي، ونكفّ عن التمرّد على الخطأ حتى لو كان واضحًا أمام أعيننا. وهذا تمامًا ما نراه في حكاية “الست موناليزا”.

مي عمر تقدّم شخصية “موناليزا” كفتاة تشبه اسمها: ملامح هادئة تخفي عاصفة داخلية. شيف موهوبة، محبوبة من الجميع، مراعية ومضحّية، يتيمة فقدت والديها في حادث وهي صغيرة، وعاشت في كنف خالتها (سما ابراهيم) وزوجها(محمد محود)  وتناديهما “بابا” و”ماما”، وتعتبر ابنتيهما (مريم الجندي)أختًا لها. قلبها الأبيض هو رأسمالها الوحيد… لكنه أيضًا نقطة ضعفها.

تعود لتلتقي بحسن (احمد مجدي) حبّ قديم هجرها بلا تفسير، رجل يوهمها بحياة مترفة وقصور، بينما الحقيقة أبعد ما تكون عن تلك الصورة. بالمصادفة يكتشف أنها ورثت أرضًا تُقدّر بثلاثين مليون جنيه، وبعد مسار قضائي طويل باتت قادرة على استعادتها. فجأة، يتبدّل كل شيء: عرض زواج سريع، انتقال إلى المدينة، وحجج عن أبٍ مريض وجَلطة دماغية لتبرير الغاء حفل الزفاف الكبير وقطع الصلة مع أهلها الذين أصرّوا على الاحتفال.

ويُعيد دور “موناليزا” إلى الأذهان شخصية “اش اش” التي قدّمتها مي عمر سابقًا؛ الفتاة التي أحبت مختار (محمد الشرنوبي) بقلبها وحده، فأغمضت عينيها عن العيوب حتى استُغلّت وخُذلت. التشابه واضح: سذاجة ممزوجة بعاطفة صادقة تدفع الثمن غاليًا. لكن الفارق اليوم أن المعاناة أعمق، والاستغلال أقسى.

لكن الصدمة تبدأ منذ اللحظة الأولى في حيّ فقير وبيت اجار وسيارة ليست له. تكتشف أن القصور كانت وهمًا، وأنها انتقلت من حلمٍ رومانسي إلى واقعٍ قاسٍ. المؤلم أنها قبلت بالفقر، وكان عتبها الوحيد: لماذا كذبتَ عليّ؟ غير أن الكذب لم يكن سوى البداية. تتحوّل تدريجيًا إلى خادمة في بيت عائلة تعيش فيه مع شقيقته المطلقة علياء (انجي المقدم) وشقيقه (مصطفى عماد) والوالد المقعد (محمود عزب) فتستغلّ طيبتها، تنظّف وتطبخ وتُهان على يد والدته المتسلطة والظالمة سميحة(سوسن بدر) حتى تبلغ القسوة ذروتها بمشهد إذلال صادم ينتهي بمحاولة هروب تُحبط في اللحظة الأخيرة.

واضح أننا أمام مسار طويل من المعاناة، دراما بدأت مبكرًا جدًا، منذ الحلقتين الأوليين. وربما هنا يكمن المأخذ الوحيد: ألم يكن ممكنًا أن نتذوّق لحظات سعادة قبل الغرق في بحر الدموع؟ أن نرى الضوء قبل العتمة؟ لأن الإيقاع، منذ البداية، مشبع بالألم إلى حدّ ينبئ بموسمٍ ثقيل العاطفة.

في المقابل، يحسب للعمل قوّة الأداء. سوسن بدر تقدّم شرًّا باردًا ومتقنًا، في حضورٍ طاغٍ هو الثاني لها هذا الموسم بعد مسلسل “سوا سوا” بطولة احمد مالك، أما شيماء سيف فتشكّل ابتسامة المسلسل الوحيدة حتى الآن، فهي جارة شهيرة بوصفات الطعام الغريبة والعجيبة على مواقع التواصل،  يُتوقّع أن تتحوّل إلى سندٍ حقيقي لموناليزا في رحلتها مع الظلم.

“الست موناليزا” يضعنا منذ البداية أمام سؤال قاسٍ: هل يكفي القلب الطيّب للنجاة في عالمٍ لا يرحم؟ أم أن السذاجة، حين تمتزج بالحب، تدفع ثمنًا لا يُحتمل؟ الأيام المقبلة وحدها ستكشف إن كانت البطلة ستستعيد صوتها… أم ستبقى أسيرة الوهم الذي صدّقته…

نذكر اخيراً ان المسلسل من تأليف محمد سيد بشير و اخراج محمد علي ومن انتاج sadaf media production و Media life