يوماً بعد يوم تتعزز العلاقات الثنائية بين مصر والصومال وتتعمق. فقد أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لنظيره الصومالي حسن شيخ محمود، يوم الأحد (15 شباط/فبراير 2026) في القاهرة، أن مصر تدعم بقوة “وحدة الصومال وسلامة أراضيه”.
وقبلها بأيام، نفّذت القاهرة اتفاقية كانون الثاني/يناير 2025، ونشرت 1091 جندياً في العاصمة الصومالية مقديشو.
ويُعدّ نشر القوات المصرية في الصومال – وهو أول عمل من نوعه في تاريخ العلاقات الثنائية الممتد لعقود – نقطة تحول مفصلية. فقد كانت مصر حتى تاريخه ترسل معدات عسكرية فقط في إطار اتفاقية أمنية مشتركة مع مقديشو، بدأت في آب/أغسطس 2024.
الصومال دولة هشة
وستنضم القوات المصرية إلى قوة حفظ السلام التي يقودها الاتحاد الأفريقي، “بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال” (AUSSOM). وقد بدأت هذه البعثة الدولية، التي كانت تُعرف في السابق باسم “بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال” (ATMIS)، عملها في الأول من أبريل/نيسان 2022. وتتمثل مهمتها في تدريب الجيش والشرطة الصوماليين وتقديم المشورة لهما، إذ يكافح الصومال من أجل الاستقرار منذ انهيار حكومته المركزية عام 1991. وقد تسببت الاقتتال القبلي، إلى جانب نشاط حركة الشباب المتطرفة، في مشاكل جمة.
وقال ريكاردو فابياني، مدير مشروع شمال أفريقيا في مركز الأبحاث “مجموعة الأزمات الدولية” (ICG)، لـ DW: “أعتقد أن هناك سباقاً جيوسياسياً على النفوذ في هذه المنطقة”. وأضاف: “تريد القاهرة دعم الدول الضعيفة وعدم تحولها إلى ساحة للتنافس بين جهات خارجية تسعى إلى بسط نفوذها الجيوسياسي على طول البحر الأحمر”.
تقع الصومال في منطقة القرن الأفريقي الاستراتيجية: للدولة سواحل طويلة على طول المحيط الهندي، ويمكن من هناك ومن خلال خليج عدن الوصول إلى البحر الأحمر، وهو الطريق الرئيسي إلى قناة السويس. كما أنها تقع قبالة اليمن وتشترك في حدود طويلة مع إثيوبيا.
توتر بين مصر وإثيوبيا
يتفاقم الوضع السياسي الهش في الصومال بسبب الجدل الدائر حول منطقة “أرض الصومال” الانفصالية في شمال غرب البلاد. منذ إعلانها الاستقلال تحت مسمى “جمهورية أرض الصومال” في مايو/أيار 1991، لم تنل الاعتراف الرسمي من المجتمع الدولي.
وقد بدأ هذا الوضع بالتغير مؤخراً. ففي يناير/كانون الثاني 2024، وقّعت إثيوبيا و”أرض الصومال” مذكرة تفاهم تمنح إثيوبيا، الدولة الحبيسة، منفذاً إلى البحر الأحمر، وبالتالي إلى طرق الشحن الدولية، مقابل تحرك إثيوبيا نحو اعتراف محتمل بـ”أرض الصومال”. وقد أُعيد التفاوض على هذه الاتفاقية بعد توقيعها، في أعقاب إدانات إقليمية واسعة النطاق.
ويوضح الخبير ريكاردو فابياني أن “القاهرة لا تزال قلقة للغاية بشأن سعي إثيوبيا إلى تأسيس وجود عسكري في البحر الأحمر”.
إسرائيل تدخل على الخط
في كانون الأول/ديسمبر 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف رسمياً بجمهورية “أرض الصومال” كدولة ذات سيادة، وهو قرار أدانته الصومال ومصر والعديد من الدول الأخرى باعتباره انتهاكاً لوحدة أراضي الصومال. وأدى هذا الاعتراف إلى توتر العلاقات بين مصر وإسرائيل. وتدهورت العلاقات بسبب الحرب في غزة عقب هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
بالنسبة لإسرائيل، قد تكون العلاقات مع “أرض الصومال” مفيدة في حال تجدد القتال مع ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران والتي تسيطر على مساحات واسعة من اليمن، الذي يبعد أقل من 160 كيلومتراً من “أرض الصومال”. وقد شنت جماعة الحوثي هجمات متكررة على إسرائيل والسفن الدولية في البحر الأحمر. وبررت ذلك بدعم وإسناد غزة.
أضاف ريكاردو فابياني، مدير مشروع شمال أفريقيا في مركز الأبحاث “مجموعة الأزمات الدولية” (ICG)، أن الوجود الإسرائيلي الجديد في القرن الأفريقي يمثل مصدر قلق إضافي لمصر، إلى جانب طموح إثيوبيا في تأمين منفذ إلى البحر الأحمر.
في غضون ذلك، تحرص دول أخرى، كالإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، على تعزيز نفوذها الاستراتيجي في منطقة القرن الأفريقي. كما أن الحرب في السودان المجاور، وعدم الاستقرار السياسي في ليبيا، والتوتر بين السعودية والإمارات على خلفية دعم أبو ظبي لانفصال جنوب اليمن، كلها عوامل تساهم في زعزعة الاستقرار في المنطقة.
أمن مصر المائي
كما يتصدر الأمن المائي اهتمامات السياسة المصرية، وخاصة فيما يتعلق بنهر النيل. عارضت مصر إنشاء النهضة الإثيوبي حتى قبل بدء إثيوبيا تشييده في نيسان/أبريل 2011، وبلغت تكلفته النهائية نحو 5 مليارات دولار. وقد تم تدشين السد في أيلول/سبتمبر 2025.
وصرح تيموثي كالداس، نائب مدير “معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط” (TIMEP) ومقره واشنطن، لـ DW: “تعتمد مصر بشكل كبير على مياه النيل كمصدر للمياه العذبة، ولكن لا توجد حتى الآن اتفاقيات ملزمة تضمن لمصر حقها في الحصول على المياه”. وأضاف: “بالنسبة للقاهرة، يبقى هذا الأمر مصلحة أمنية وطنية”.
على الرغم من أن مقديشو غير متأثرة بشكل مباشر بنزاع المياه حول سد النهضة، إلا أن سنوات من الصراع السياسي بين مصر وإثيوبيا قد عززت تقارب الصومال ومصر في سعيهما لتشكيل ثقل إقليمي موازٍ لأديس أبابا.
ما هي مصالح مقديشو مع القاهرة؟
تركز السياسة الصومالية بشكل أساسي على القضايا الداخلية. بالنسبة لمقديشو، فإن فائدة وجود القوات المصرية في البلاد لا تتعلق بالضرورة بأمن البحر الأحمر أو التوسع الإثيوبي، كما يقول ريكاردو فابياني، مدير مشروع شمال أفريقيا في مركز الأبحاث “مجموعة الأزمات الدولية” (ICG). ويضيف: “إنهم يتفقون مع القاهرة في هذه النقاط، لكن أولويتهم الرئيسية هي تعزيز السيطرة على الأراضي الصومالية وضمان وجود دعم دولي كافٍ للاعتراف بالحكومة الفيدرالية الصومالية كسلطة وحيدة في البلاد”.
ويرى أن وجود القوات المصرية ضمن “بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال” (AUSSOM) يمنح الصومال اعترافاً دولياً بسلطتها، بالإضافة إلى دعم دولي لحربها ضد حركة الشباب المتطرفة.
