جاء رفض المخرجة التونسية كوثر بن هنية بسبب تكريم المهرجان الجنرال الإسرائيلي المتقاعد نوعام تيبون الذي كان شارك في فيلم وثائقي كندي عنوانه “الطريق بيننا”، لإنقاذه أسرته خلال عملية “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

المهرجان تحول إلى منصة سجال تخللتها انسحابات وإصدار بيانات شاجبة لسلوك إدارة المهرجان التي “حظرت” الحديث في السياسة، في انعطافة لم تشهدها، على هذا النحو، دورات المهرجان منذ انطلاقته عام 1951، التي تزامنت مع انقسامات سياسية عمودية في أوروبا، لعل أبرزها انشطار ألمانيا إلى دولتين شرقية (اشتراكية) وغربية (رأسمالية).

قد تؤثر الأحداث التي عصفت بالدورة الأخيرة على سمعة المهرجان ذي الإرث العريق في ترسيخ الفن السينمائي وصيانته من الابتذال والمجانية، ليكون هذا المهرجان إضافة إلى “فينيسيا” و”كان” مرصداً لإعلاء شأن الفن السابع، وتأكيد دور السينما في التغيير، وهجاء الديكتاتوريات، والانتصار للقوى الاجتماعية في صراعها الطويل ضد التهميش والإقصاء.

voice-of-hind-cover.jpg-ab2d6a18-c5be-40fc-ad22-13650ab5c973.jpg

من فيلم “صوت هند رجب” (ملف الفيلم)

وليس اكتشافاً عبقرياً القول إن المهرجان يتبع (تلقائياً) ظلال الموقف الألماني الرسمي في النأي بنفسه عن الانحياز للقضية الفلسطينية قبل أحداث “طوفان الأقصى” وما بعده، بسبب ما يمكن اعتباره عقدة متأصلة في الوعي الألماني مردها “فوبيا معاداة السامية” التي تعد تهمة كبيرة في ألمانيا (تحديداً)، باعتبار هذا البلد مسؤولاً عن الإبادة الجماعية لليهود في أوروبا قبل أكثر من 80 عاماً. لذا تزداد حساسية الرأي العام في ألمانيا تجاه مسألة كراهية اليهود، أو شتمهم، أو إنكار المحرقة، وسواها مما يمكن ملاحقته قانونياً.

تعبيرات العقدة الألمانية

في ضوء ذلك يمكن تعليل الانحياز في الموقف الرسمي الألماني الذي يخضع لإكراهات عديدة فيما خص الموقف من إسرائيل والتقليل أو التغاضي عما يلحق بالفلسطينيين من جراء جرائم الإسرائيليين الذين يوصفون بأنهم “النازيون الجدد”. ومن هنا أيضاً يمكن فهم الموقف الرسمي الألماني الذي يرى أن “الوقت ليس مناسباً للاعتراف بدولة فلسطينية”، وفي ذلك محاباة لإسرائيل ما بعدها محاباة!

images.jpg

بوستر الفيلم (ملف الفيلم)

تعبيرات العقدة الألمانية ظهرت في الدورة الأخيرة للمهرجان، من خلال ضربة استباقية بمنع الحديث في السياسة، أو عنها، بحسب تصريح أدلى به رئيس لجنة التحكيم في المهرجان المخرج فيم فيندرز. وقال أيضاً إن صانعي الأفلام يجب أن “يقوموا بعمل الشعب، وليس عمل السياسيين”، مع إقراره بأن “الأفلام يمكن أن تغير العالم”. هذا التناقض هو ما أثار حفيظة الكاتبة الهندية أرونداتي روي، حائزة جائزة البوكر العالمية، التي قررت الانسحاب من المهرجان بعدما “شعرت بالصدمة والاشمئزاز” في أعقاب التعليقات الداعية إلى تجنب الخوض في السياسة، وقالت صاحبة رواية “إله الأشياء الصغيرة” إنها تعليقات “بلا ضمير”، معتبرة أنها “طريقة لإسكات النقاش حول جريمة ضد الإنسانية… في وقت ينبغي أن يبذل فيه الفنانون والكتاب والمخرجون كل ما في وسعهم لوقفها”.

أوهام عزل السينما عن السياسة

فيندرز، وهو مخرج ألماني قدير، لم يوضح كيف يمكن لسينما منذورة لتغيير العالم، أن تفعل ذلك في معزل عن السياسة التي تعني مواجهة الظلم، وشجب العدوان، والوقوف مع الضحايا الفلسطينيين. فـ”ﻛﻴﻒ ﻳﺤﺘﺎﺝ ﺩﻡ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﻮﺿﻮﺡ ﺇﻟﻰ ﻣﻌﺠﻢ ﻃﺒﻘﻲ ﻟﻜﻲ ﻳﻔﻬﻤﻪ”، كما قال الشاعر العراقي الراحل مظفر النواب؟

ولعل هذا ما عبرت عنه بشجاعة مخرجة “صوت هند رجب” التي اعتبرت أن قصة الطفلة الفلسطينية التي يوثق الفيلم لحظاتها الأخيرة، ليست حدثاً معزولاً، بل “نتاج نظام جعل قتلها ممكناً”، مشيرة إلى أن ما جرى يمثل “جزءاً من إبادة جماعية”. 

الفصل بين السياسة والفن اتخذ في مهرجان برلين الأخير ذريعة لعدم انتقاد إسرائيل. ففي اللحظة التي تكرم إدارة المهرجان شجاعة جنرال إسرائيلي، فإنها تجبن أمام إدانة إبادة الفلسطينيين، وترفض التعاطف مع مأساتهم، على رغم أنها تعاطفت من قبل مع ضحايا الحرب في أوكرانيا، ومع عذابات الإيرانيين، ومع ما يواجهه الناس في السودان والكونغو الديمقراطية.

التذكير بسقطة هابرماس

هذا ليس هجاء لضمائر القائمين على المهرجان، ولا تشكيكاً في مواقفهم تجاه القضايا الإنسانية العادلة، لكنه استظهار لتجليات العقدة الألمانية التي جعلت فيلسوفاً مؤثراً بقامة يورغن هابرماس يوقع بياناً بعنوان “مبادئ التضامن” خلال “طوفان الأقصى” أعلن فيه تضامنه مع إسرائيل، مبرراً رد فعلها بإبادة غزة وشعبها بـ”حق الدفاع عن النفس”.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الوعي الألماني الجريح ينسحب على أركان السياسة الألمانية التي جعلت برلين أكبر داعم لإسرائيل، وأكثر إسرائيلية ويهودية من الإسرائيليين أنفسهم، في تعبير يعكس ضرورة تواصل ماكينة الاعتذار عما لحق باليهود أثناء الحكم النازي.

ولو شاء المهرجان الاستمرار في سياسة النأي الانتقائي بالنفس عن الخوض في القضايا المتصلة بالعدالة والإنصاف، فإنه سيقضم شيئاً فشيئاً من صدقيته، ويجعل موثوقيته عرضة للتصدع، لأن حيلة عدم التدخل في السياسة لا تنطلي على أحد، كما أنها لا تتوافق مع مبادئ السينما القائمة على النقد والمساءلة وتشكيل جبهات المقاومة، وإنعاش قوى الأمل.

أضف إلى ذلك كله أن رئيس لجنة تحكيم المهرجان فيم فيندرز لم يتمكن من أن يعزل السياسة عن أبنية أفلامه، فقد تخللت السياسة وتشابكاتها أفلامه بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وجاء فيلمه الوثائقي القصير “مفاتيح الحرية” الذي قدمه العام الماضي ليشير إلى 80 عاماً من تخلص أوروبا من قيود الحرب. وكان هجاء الحقبة الهتلرية مبثوثاً في ثنايا الفيلم الذي ختمه بإشارة إلى استئناف الحرب (الروسية – الأوكرانية) مجدداً في قلب أوروبا.

يقول فيندرز في الفيلم بلسان الراوي، “مفاتيح الحرية” تمثل اليوم أكثر من مجرد قطعة أثرية في متحف. السؤال هو كيف نأخذها بأيدينا اليوم، لأن الحرية ليست أمراً بديهياً. يجب على المرء أن يفعل شيئاً من أجلها”.

إذا لم تكن هذه سياسة، فماذا يمكن أن تكون، يا سيد فيندرز؟!