لم يعد الكلام عن طبول الحرب مجرد تكهنات. فعلى رغم المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، إلا أن الساعات الأخيرة كشفت عن احتمال توجيه ضربة عسكرية ضد إيران وإبعاد الخامنئي عن رأس النظام الإيراني وقد يكون موعدها قريباً جدا وذهب البعض إلى تحديده نهاية هذا الأسبوع. غير أنّ مصادر سياسية ودبلوماسية غربية وإقليمية تقلّل من دقة التوقيت من دون أن تلغي حتمية الحرب المقررة على إيران ، معتبرة أنّ الحديث عن موعد محدد يدخل في إطار الحرب النفسية والضغط السياسي أكثر منه قراراً عسكرياً نهائياً.
في هذا السياق، تؤكد دوائر متابعة أنّ أي عمل عسكري واسع ضد إيران، سواء من جانب إسرائيل بمشاركة أو بغطاء من الولايات المتحدة، يحتاج إلى تحضيرات معقّدة تتجاوز مجرد قرار سريع أو تسريب إعلامي. فالمشهد الإقليمي اليوم شديد الحساسية مع استمرار التوتر على أكثر من جبهة، بدءاً من غزة إلى جنوب لبنان والعراق وصولاً إلى البحر الأحمر، ما يجعل أي ضربة محفوفة بمخاطر توسّع الحرب إلى مواجهة إقليمية شاملة.
وتتابع المصادر المتابعة أنّ إسرائيل تلوّح بالخيار العسكري منذ أشهر إلّا أنّ الانتقال من التهديد إلى التنفيذ يرتبط بحسابات دقيقة، أبرزها قدرة إيران على الردّ عبر أذرعها في المنطقة، ولا سيما في لبنان والعراق وسوريا واليمن.
من جهتها، تبدو الولايات المتحدة حذرة من الانزلاق إلى حرب واسعة في الشرق الأوسط، خصوصاً في سنة انتخابية أو في ظل انشغالها بملفات دولية أخرى، وهي تفضّل استمرار الضغط الاقتصادي والعقوبات والعمليات المحدودة، بدلاً من مواجهة مفتوحة قد تجر المنطقة إلى اضطراب طويل.
في الداخل الإيراني، تتعامل طهران مع التهديدات بقدر من الجدية، لكنها في الوقت نفسه تعتبر أن جزءاً كبيراً منها يدخل في إطار الحرب النفسية. وقد رفعت مستوى جهوزيتها الدفاعية، وأرسلت رسائل ردع عبر حلفائها، مؤكدة أنّ أي هجوم سيقابل برد مباشر أو غير مباشر.
بناءً على ذلك، ترى المصادر أنّ تحديد موعد لشنّ ضربة ضد إيران معطوفة على إنذارات الدول بضرورة مغادرة رعاياها إيران في الساعات القليلة المقبلة لا يستند إلى معطيات مؤكدة، بل يعكس مناخ التوتر والتصعيد الإعلامي. فالقرار العسكري في ملفات بهذا الحجم لا يُعلن مسبقاً تبعاً للمصادر وغالباً ما يُفاجئ الخصوم في توقيته وشكله. ومع ذلك، يبقى احتمال التصعيد قائماً في أي لحظة، ما دام الصراع مفتوحاً وتوازن الردع هشاً.
في السياق نفسه يعتبر الكاتب والمحلل السياسي خالد زين الدين أن “ترامب بات يرفض إعطاء أية فرصة أو يقبل بوجود إيديولوجيا سياسية أو عقائدية في وجه إسرائيل ومستعدة لإشعال حرب ضدها كل عشر سنوات وتهديد المنطقة بكاملها. وما بعد حرب غزة ليس كما قبلها. فالمنطقة باتت تحت رعاية إسرائيلية بتفويض أميركي، والأخير يرفع العصا في وجه كل من يرفض مشروع السلام وهذا الأمر ينسحب على إيران التي تجد نفسها أمام حلين لا ثالث لهما: إما أن تقبل بشروط واشنطن أو ستواجه مصير فتزويلا بحيث يتم قبع خامنئي وإنهاء النظام الإيراني”.
وفي السياق يكشف زين الدين أنه كانت هناك خطة لتنفيذ عملية إنزال على إيران لخطف خامنئي مشابهة لتلك التي قامت بها القوات الأميركية الخاصة على فنزويلا. لكنها توقفت في الساعات الأخيرة بطلب من قادة إحدى الدول العربية الكبرى الفاعلة خشية أن تنعكس الفوضى سلبا على أمن واقتصاد دول الخليج. إلا أنه يجزم أن الضربة على إيران حتمية في حال لم تلتزم بشروط ترامب مضيفا أن تصاعد وتيرة الكلام عن اقتراب موعدها مرده إلى أن القرار اتخذ بأن تكون المفاوضات القائمة تحت وطأة النار حتى تتنازل إيران عن الملفات التي يضعها ترامب على طاولة المفاوضات وهي النووي والصواريخ الباليستية وعدم التدخل في شؤون المنطقة وإنهاء أذرعها في المنطقة” .
وعن مصير النظام الخامنئي يقول “انتهت صلاحيته وبالتالي إما أن تكون إيران على سلام مع إسرائيل وإلا الحرب الشاملة ضدها. أما التوقيت فتحدده الإستخبارات الأميركية وفقا للمعلومات والداتا”.
احتمالات توجيه ضربة عسكرية ضدّ إيران في ظل ارتفاع مستوى التوتر الإقليمي، يطرح تساؤلات جدية حول السيناريوهات المحتملة وتداعياتها المباشرة على لبنان، الذي يبقى في صلب أي مواجهة بين طهران وإسرائيل. ومن السيناريوهات العسكرية المطروحة توجيه ضربة واسعة تستهدف البنية النووية والعسكرية الإيرانية، ما قد يدفع طهران إلى رد مباشر وقاسٍ. في هذه الحال يُتوقع أن تلعب القوى الحليفة لإيران في المنطقة دوراً أساسياً، وعلى رأسها حزب الله، وهذا يعني عملياً دخول لبنان في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، مع احتمال تعرّض البنية التحتية اللبنانية لضربات قاسية، كما حصل في حرب تموز 2006 ولكن بوتيرة أوسع وأكثر تدميراً، مما سيؤدي إلى انهيار اقتصادي واجتماعي سريع، في ظل هشاشة الوضع الداخلي.
مذكراً بالدور والرسائل التي يوجهها المجتمع الدولي إلى لبنان لتفادي التصعيد، مع التركيز على ضبط الحدود الجنوبية ومنع توسّع الاشتباكات، يختم زين الدين أنّ “لبنان بات في مهب رياح الحرب التي تهب على المنطقة، غزاويين وقادة في الحرس الثوري موجودون في لبنان ويعملون بالتنسيق مع حزب الله”.
حتى اللحظة لا توجد مؤشرات موثوقة عن ضربة وشيكة في موعد محدد، لكن المنطقة تعيش مرحلة عالية الخطورة، حيث يمكن لأي حادث أمني أو خطأ في الحسابات أن يشعل مواجهة أوسع، وهو ما يدفع معظم الأطراف إلى الجمع بين التهديد والردع والتسويات.
