Published On 22/2/202622/2/2026

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي

share2

يُعد فيلم “اللي باقي منك” أحد أبرز الأعمال العربية التي عُرضت في موسم المهرجانات عام 2025، وهو من إخراج شيرين دعيبس، وعُرض عالميا للمرة الأولى ضمن قسم العروض الرسمية في مهرجان صندانس السينمائي (Sundance Film Festival). ينتمي الفيلم إلى الدراما التاريخية، وتمتد أحداثه عبر ثلاثة أجيال من عائلة فلسطينية، من عام 1948 حتى عام 2022، في معالجة تتقاطع فيها الذاكرة الشخصية مع التحولات السياسية الكبرى.

العمل إنتاج مشترك بين عدة دول، ويضم في بطولته محمد بكري وابنيه صالح بكري وآدم بكري، ويقدّم سردا يمتد لما يقارب ساعتين ونصف، في بناء درامي يعتمد على التشظي الزمني والتنقل بين الحقب.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of listالعائلة كمرآة للتاريخ الفلسطيني

تبدأ أحداث “اللي باقي منك” عام 1988، حيث نتعرف سريعا على المراهق نور، الذي يخرج مع صديقه لإلقاء الحجارة خلال الانتفاضة، قبل أن تصيبه رصاصة. ثم ينتقل السرد مباشرة إلى وجه المخرجة والممثلة شيرين دعيبس، التي تخبر شخصا ما لا نراه، أو ربما المتفرج نفسه، أنه لفهم قصة ابنها نور، عليها أن تعود إلى قصة جده. ومن هنا، نعود بالزمن أربعين عاما إلى الوراء، وتحديدا إلى نكبة عام 1948.

تتمحور قصة الفيلم حول حكاية عائلة فلسطينية تمتد عبر ثلاثة أجيال، تبدأ من لحظة الاقتلاع الأولى عام 1948، حين تُجبر الأسرة على مغادرة يافا تحت وطأة العنف والتهجير، تاركة الأب شريف (آدم بكري) خلفها في محاولة لإنقاذ المنزل وحديقة البرتقال التي يعتز بها كثيرا، وثقة في وعود الإسرائيليين بأن المستسلمين سيحظون بالأمان، وانتظارا لجيوش عربية قيل إنها قادمة لإنهاء هذا الكابوس. غير أن ما يحدث هو عكس ذلك تماما، إذ يُؤخذ الأب أسيرا، ويظل بلا خبر إلى أن يعود إلى عائلته مريضا بجلطة لم تُعالج، بقيت في جسده علامة دائمة على يوم لا يمكن نسيانه.

ومنذ تلك اللحظة، تتشكل ذاكرة جريحة تتحول إلى عبء مشترك يحمله الأبناء والأحفاد. ينتقل السرد بين الأجيال، من جيل الجد شريف، الذي يؤدي دوره في مرحلته العمرية اللاحقة الممثل المخضرم محمد بكري، في أحد آخر أدواره السينمائية قبل وفاته مؤخرا، إلى جيل الأب سليم (صالح بكري)، الذي نشأ في ظل الاحتلال ومحاولات التأقلم مع حياة منقوصة السيادة، وصولا إلى جيل الحفيد نور، الذي يواجه الوجه العنيف والعشوائي للاحتلال حين يباغته الجنود مع والده، ويُجبران على التذلل حتى لا تُنهي حياتهما على قارعة الطريق. يكبر الطفل لاحقا ليصبح المراهق المتمرد الحامل لمبادئ جده.

ثلاثة أجيال في مواجهة واقع واحد

يبرز الفيلم كيف يتبدل أثر الاحتلال من جيل إلى آخر داخل العائلة الواحدة، بحيث لا يكون مجرد ظرف سياسي ثابت، بل تجربة متغيرة بحسب اللحظة التي وُلد فيها كل فرد، فالجد يمثل جيلا عرف الحياة قبل الاحتلال، نشأ في ظل سيادة وطنه، وتزوج وبنى أسرته قبل أن تُنتزع منه أرضه وأرض أجداده، لذلك ظل رافضا لفكرة الاحتلال في جوهرها، غير قادر على التطبيع معها، رغم أنه عاش تحتها قرابة ثلاثة عقود، رفضه ليس اندفاعا عاطفيا، بل موقف وجودي نابع من ذاكرة تصر على تذكر معنى الحرية والملكية والانتماء.

في المقابل، يأتي الابن بوصفه ابن المرحلة الانتقالية؛ وُلد ونشأ داخل واقع الاحتلال، فلم يعرف تجربة السيادة إلا عبر حكايات الأب. لذلك بدا أكثر قابلية للتكيّف، لا حبا في الواقع، بل امتلاكا لغريزة النجاة. يتقن المراوغة اليومية، يعرف متى يصمت ومتى يتراجع، ويطور قدرة عملية على الاستمرار داخل شروط قاسية، حتى لو بدا ذلك أقرب إلى الاستسلام في نظر الجيل السابق.

أما الحفيد، الذي لم يختبر الحياة قبل الاحتلال مطلقا، فيحمل صورة مثالية عن الوطن مستمدة من سردية الجد، ويرفض براغماتية الأب بوصفها خضوعا. لكنه، على عكس الجد الذي يمتلك ذاكرة واقعية، يتحرك بدافع غضب صافٍ ومطلق، ما يجعله أكثر اندفاعا وأقل خبرة بتعقيدات الواقع.

وهنا يطرح الفيلم مفارقة مؤلمة: كل جيل يواجه الاحتلال بأدوات مختلفة، وبين الرفض الصلب، والتكيّف الحذر، والغضب المتفجر، يرسم العمل خريطة نفسية لتبدل شكل المقاومة عبر الزمن.

صورة الفلسطيني المثالي

بعدما يكشف الفيلم عن بنائه والانتقال بين الأزمنة الثلاثة، والتي ستتحول إلى أربع في وقت لاحق من الفيلم، يستقر عام 1988، مع الابن المصاب واللحظة الفاصلة، موت الابن، ثم وضع والديه سليم وزوجته حنان أمام خيار التبرع بأعضائه بعد الوفاة، هنا ينتقل الفيلم من سرد تاريخي إلى مأزق أخلاقي، قرار يُفترض أنه إنساني في جوهره، لكنه محمل بطبقات سياسية ونفسية معقدة، خصوصا مع الاحتمال القائم بأن تذهب الأعضاء إلى مرضى إسرائيليين.

المفارقة قاسية: الابن قُتل برصاص جندي إسرائيلي، ثم يُطلب من أهله أن يمنحوا جزءا من جسده لشخص في الجهة المقابلة، ينتمي إلى قاتليه!

يعالج الفيلم هذا الخيار بوصفه اختبارا للإنسانية، كأنما يضع الوالدين أمام سؤال: هل يمكن للحياة أن تنتصر فوق منطق الثأر؟ لكن الطرح، رغم شحنته العاطفية، يبدو أقرب إلى افتراض أخلاقي نظري منه إلى معضلة واقعية في سياق استعمار وحشي. المسألة لا تتعلق فقط بالتسامح الفردي، بل بعلاقة قوة غير متكافئة، وبنظام يحدد من يملك الحق في الحياة ومن يُحرم منها بعشوائية.

يمكن القول إن هذا الاختيار الدرامي ينزلق نحو صياغة صورة “الفلسطيني المثالي” القابل للتضحية حتى بألمه الخاص، وهي صورة تجد صدى مريحا في دوائر المهرجانات الغربية التي تميل إلى الاحتفاء بسرديات التسامي الفردي، وبدلا من أن يُقرأ القرار بوصفه صراعا أخلاقيا معقدا في واقع غير عادل، يُقدَّم كبرهان على سمو الضحية، ما يخفف حدة التوتر السياسي ويحوّل المأساة إلى درس إنساني شامل قابل للاستهلاك الدولي.

هنا تكمن الإشكالية: هل يمنح الفيلم شخصياته حرية الاختيار حقا، أم يدفعهما إلى قرار محمل بدلالة رمزية تخدم خطابا أوسع عن “السلام” و”الإنسانية المشتركة”؟ إن تحويل قلب الابن إلى استعارة للمصالحة قد يبدو نبيلا على مستوى المجاز، لكنه يتجاهل الأيادي الملطخة بالدماء وطبيعة المأساة، خيار إنساني في شكله، لكنه ملتبس سياسيا.