بينما تطارد إدارة دونالد ترمب المهاجرين بالملاحقات القانونية حيناً وبالسلاح حيناً آخر، يسعى كثر من أبرز نجوم هوليوود للهجرة مما سموه “جحيم ترمب”، فالهجرة العكسية التي كانت وسيلة اعتراضية اعتمدها البعض إبان ولاية الرئيس الجمهوري الأولى قبل نحو ثمانية أعوام، تتخذ مساراً أكثر وضوحاً في الوقت الحالي وتطاول مشاهير بارزين ممن يعتبرون ترمب ومسؤولي إدارته رمزاً للكراهية والتعصب والقمع، وفق تصريحات عدة لهم.

ففي وقت لم يدخر فيه المشاهير جهداً في إظهار رفضهم لسياسة ترمب في ملفات كثيرة بينها الإجهاض ومدى تقبل التنوع وغيرها، استكملوا النهج بالتعبير المتواصل عن تضامنهم مع المهاجرين الذين يتم ترحيلهم قسراً وتعريض حيواتهم للخطر وتفريقهم عن عائلاتهم من خلال تصريحات مباشرة أو شارات وضعوها على ملابسهم في حفلات الجوائز وكبرى الفعاليات الفنية، فيما كان بعضهم قد اتخذ قرارات سابقة بأنهم لن يبقوا في الولايات المتحدة إذا ما فاز ترمب بالرئاسة، بينما أعلن آخرون هذا التوجه في مراحل تالية بعدما تفشى أسلوب الإدارة الذي يحض على الاستقطاب ويتطرف في خطابه تجاه الأقليات بصورة عامة، وذلك وفق الأنباء المتداولة لكثير من المشاهير بينهم المخرج جيمس كاميرون والنجمة شارون ستون، والمذيع جيمي كيميل، وغيرهم، إذ يقتصر وجود كثير من الرافضين في هوليوود على الالتزام بتنفيذ أعمالهم وبعدها يعودون إلى الأوطان البديلة التي اختاروها في القارة الأوروبية.

وبينما تطارد الإدارة الأميركية المهاجرين فإن مشاهير السينما والإعلام يسعون إلى الحصول على جنسيات أخرى وإقامات دائمة في دول أكثر رحابة بالنسبة إليهم.

فهل ضاقت أميركا ذرعاً بنجومها؟ أم أن سياسة الوجه المكشوف في رفض الاختلاف والتنوع لم تعد محتملة وبخاصة لهؤلاء الذين يهاجمون دونالد ترمب منذ ظهوره على الساحة السياسية بقوة، وممن تعتمد مهنتهم على التنوع، وتنادي أعمالهم بضرورة تقبل الآخر وفتح مساحة للحوار الإنساني بين الجميع أياً كانت درجات الاختلاف؟

ترمب في الصفحة الأولى

منذ البداية كان معسكر مؤيدي ترمب في هوليوود أقل عدداً بكثير مقارنة بمن أخذوا صف الحزب الديمقراطي داعمين جو بايدن في البداية ومن ثم كامالا هاريس، وبعدما اكتسح الرئيس الجمهوري الانتخابات وتسلم السلطة في مطلع 2025 عبر كثير من مشاهير الساحة الفنية عن يأسهم وإحباطهم، ولكن هناك شريحة لم تكتف بالكلام واتخذت خطوات فعلية للابتعاد عن هذه الأجواء، من أحدثهم وأبرزهم جيمس كاميرون المخرج الكندي الذي منح هوليوود كثيراً من أبرز أفلامها مثل “تايتنيك” و”أفاتار”، و”ذا ترميناتور”، إذ أعلن أنه استقر مع أسرته في نيوزيلندا بصورة نهائية، واصفاً الحياة هناك بأنها مثالية بالنسبة إليه، وبخاصة أنه طالما أراد لأولاده أن يعيشوا وسط قيم التسامح، وهي عادات لم تعد موجودة في الولايات المتحدة على حد قوله.

AFP__20251213__87ZB7L4__v4__MidRes__NzealandEntertainmentAvatar.jpg

كاميرون يرى أن الولايات المتحدة تتفرغ حالياً من أبرز مقوماتها بسبب السياسة الجديدة المتبعة (أ ف ب)

 

وأضاف كاميرون الذي يحمل الجنسية النيوزيلندية وأسس مشروعاً زراعياً هناك، أنه أمر مروع بالنسبة إليه بل ومرعب كونه لم يكن يعرف كيفية الفكاك من متابعة أخبار إدارة دونالد ترمب، مضيفاً بسخرية مرة “أتصور أن الطريقة الوحيدة لعدم متابعة تلك الأخبار وعدم رؤية ترمب في الصفحات الأولى هو أن أعيش في بلد آخر، في الأقل سوف تضع صحفه أخبار ترمب في الصفحة الثالثة وليس الرئيسة”.

ووفقاً لما نشرته صحيفة “الغارديان” فإن كاميرون يرى أن الولايات المتحدة تتفرغ حالياً من أبرز مقوماتها بسبب السياسة الجديدة المتبعة، وأبرزها قيم العدالة.

أما الممثلة روزي أودونيل، فقد انتقلت إلى إيرلندا معتبرة أن أميركا لم تعد تصلح للعيش، وأشارت إلى أنها لن تفكر في العودة أبداً إلا بعدما تتأكد أن المواطنين عادوا ليتمتعوا بحقوق متساوية من دون تمييز.

بحثاً عن جواز سفر بديل

بينما احتفى المذيع جيمي كيميل أخيراً بحصوله على الجنسية الإيطالية، معتبراً أن ما يحدث في الولايات المتحدة حالياً أسوأ من أي كوابيس، بل أسوأ مما كان يسعى إليه ترمب نفسه، وفجر كيميل مفاجأة بأن كثيراً ممن يعرفهم ويعارضون السياسة الحالية يسعون إلى الحصول على جواز سفر آخر غير جواز السفر الأميركي.

ويعتبر كيميل من أبرز معارضي ترمب، إذ احتفى الأخير بالإيقاف الموقت لبرنامجه الساخر على خلفية تصريحات مثيرة للجدل أطلقها كيميل بعد حادثة مقتل الناشط السياسي اليميني تشارلي كيرك المؤيد للرئيس الأميركي.

المفارقة تقلب الموازين، لا سيما أن جواز السفر الأميركي يمثل حلماً يداعب خيال الملايين حول العالم ممن يتمنون امتلاك تلك الجنسية التي تفتح أبواب الفرص والتنقل بحرية، لكن كان ذلك على ما يبدو في عصر أكثر انفتاحاً يتمتع فيه المهاجرون بفرص متساوية، بينما تشكل القرارات الأخيرة تهديداً لفكرة الحريات من أساسها، وفق ما تقول النجمة شارون ستون في تصريحاتها لـ”ديلي ميل”، والتي وصفت منصب رئيس الولايات المتحدة حالياً بأنه منصب للقمع والكراهية، لهذا فهي تعتقد أن أفضل وقت للفرار من أميركا هو الآن، معتبرة أن إيطاليا أيضاً هي الوجهة المثالية لها، لأنها ترى أن من حقها أن تعيش في بلد أفضل من الولايات المتحدة.

AFP__20220601__32BQ2RW__v2__MidRes__UsCourtDeppHeard.jpg

هيرد قررت أيضاً الاستقرار في إسبانيا لتنعم بحياة أكثر سلاماً مع أطفالها الثلاثة (أ ف ب)​​​​​​​

 

أما ريتشارد جير الذي يعتبر من أشهر معارضي دونالد ترمب أيضاً فقد استقر به المقام مع عائلته في إسبانيا، وكانت بريطانيا وجهة مفضلة لكثر، بينهم كورتني لوف التي كانت بالفعل تتردد على البلد لفترات طويلة إلى جانب إقامتها في موطنها الولايات المتحدة، لكنها أخيراً قالت إنها سوف تسرع في إجراءات حصولها على الجنسية البريطانية وتنقل إقامتها الكاملة هناك بعدما وصفت ترمب وإدارته السياسية بالسم القاتل. معتبرة أن أميركا باتت تعيش أوضاعاً شديدة الرعب.

فيما كانت أميركا فيريرا من أبرز من أعلنوا أن بريطانيا هي وجهتهم فور إعلان فوز ترمب بمنصب الرئيس، مشيرة إلى أن أبناءها بحاجة إلى أن ينشأوا في بيئة أفضل بدلاً من المناخ السياسي الضيق في الولايات المتحدة.

بالطبع جميع هؤلاء يحافظون على وجودهم الفني في هوليوود، ولكنهم لم يعودوا يفضلون كاليفورنيا كمكان مثالي للعيش، حيث تفقد الولاية التي تقع فيها مدينة السينما الأشهر في العالم جاذبيتها كمدينة مثالية للمشاهير، فهوليوود التي كانت حلماً كبيراً بالنسبة إلى محترفي الفن، ووجهة أولى يسعى إليها الباحثون عن الرفاهية والشهرة، تفقد مكانتها وتتحول إلى مدينة طاردة بسبب سياسة الإدارة الأميركية أخيراً.

هوليوود لم تعد للعيش

وكان الأمر محسوماً مع صوفي تيرنر، نجمة “صراع العروش” التي اقتصرت كاليفورنيا أخيراً بالنسبة إليها على كونها مكاناً للتصوير فقط، وبعدها تعود إلى مسقط رأسها في بريطانيا، بعدما كانت تقضي غالبية وقتها في الولايات المتحدة، في حين كانت المذيعة إيلين دي جينيريس من أوائل المشاهير الذين أعلنوا نقل إقامتهم إلى بريطانيا اعتراضاً على فوز ترمب ورفضاً للعيش في ظل سياسته، ولكنها بعدما قضت وقتاً كاملاً في الريف الإنجليزي اضطرت للعودة إلى طقس كاليفورنيا المشمس وسط إحباط كبير، إذ لم تتحمل برودة الجو في إنجلترا وفق تصريحاتها، بينما كانت تنوي الهجرة الدائمة إلى هناك حتى رحيل ترمب عن مقعد الرئيس، لكن الأجواء المطيرة خذلتها، وهي تبحث حالياً عن خيارات جديدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

العلاقة بين ترمب الذي أطلق العام الماضي تدوينات عدة تتحدث عن إصلاحات في هوليوود، منادياً بعودة مدينة السينما “عظيمة مرة أخرى”، وهذا شعاره الرئاسي المفضل، ونجوم الفن لا تسير على ما يرام منذ ولايته الأولى، حتى بعض مؤيديه كانوا قد انقلبوا عليه، ولكن الأمور ازدادت تعقيداً في الفترة الأخيرة وجعلت كثراً يشعرون بالاغتراب بسبب السياسات المتشددة مع المهاجرين، إذ يبدو الوضع معقداً تماماً في صناعة تعتمد بصورة أساسية على المهاجرين وذوي العرقيات المختلفة، سواء خلف أو أمام الكاميرا.

تلك نقطة بدت فاصلة في مسألة التعامل مع أفكار إدارة دونالد ترمب بالنسبة إلى المشاهير، وبينهم أنجلينا جولي التي لم تكشف حتى الآن عن وجهتها، وهي التي لا تمل من انتقاد سياسة الهجرة في ظل إدارة دونالد ترمب من خلال منشوراتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وكشفت مجلة “بيبول” أن النجمة الأميركية البارزة اتخذت قرارها بمغادرة البلاد بسبب عدم رضاها عن المناخ السياسي العام، ولتعيش حياة هادئة مع أبنائها، وعرضت قصرها التاريخي في لوس أنجليس للبيع بالفعل، وتتداخل في حال أنجلينا جولي الأسباب السياسية والشخصية والعائلية، إذ وجدت أنه من المناسب بعد انتهاء أزمة حضانة أبنائها مع طليقها براد بيت أن تبتعد لا سيما في ظل المزاج السياسي الأميركي العام المرفوض تماماً بالنسبة إليها، وهي التي عرفت بأنشطتها في مجال حقوق الإنسان ورعاية اللاجئين.

اللافت أن الهرب من هوليوود بصخبها بات مطلباً لكثير من المشاهير، وهناك موجة ملحوظة من الهجرة العكسية – إن جاز التعبير – سواء لأسباب سياسية أو للبحث عن حياة أكثر هدوءاً، ولكن لأن لا شيء مضمون فبعد فترة من الإقامة في بريطانيا عاد توم كروز إلى الولايات المتحدة وحزم أمتعته هرباً من تزايد المخاوف الأمنية، وقال مقربون منه إنه بعد تزايد حوادث السطو الأخيرة في أحياء لندن الراقية وجد كروز أنه لا يشعر بالأمان فاضطر للعودة إلى هوليوود مجدداً، بينما يستقر جوني ديب على نحو جيد هناك بعدما فضل الابتعاد عن مناخ هوليوود إثر محاكمته الشهيرة في قضايا التشهير التي رفعها ضد طليقته الممثلة آمبر هيرد، وهيرد نفسها قررت أيضاً الاستقرار في إسبانيا وترك هوليوود لتنعم بحياة أكثر سلاماً مع أطفالها الثلاثة.