في عنوان فيلمها الروائي الثالث “اللي باقي منك” (2025) تستدعي المخرجة الأميركية من أصول فلسطينية، شيرين دعيبس، عنوان رواية غسان كنفاني الثانية، “ما تبقى لكم”. وكما تسرد الرواية عبر أمثولة رمزية أثر النكبة والشتات الفلسطيني، ينطلق الفيلم من الحدث المؤسس ذاته، وعبر سبعين عاماً يقدّم ملحمة عائلية لثلاثة أجيال تعيش في ظل النكبة الباقية والمتجددة.
شيرين دعيبس
في المشهد الأول، تظهر الأم حنان موجهة حديثها إلى الكاميرا بإنكليزية مثقلة بلكنتها عربية، وتخاطب جمهورها بالقول: “أنتم لا تعرفون الكثير عنا. لا بأس، لستُ هنا لألومكم، بل لأخبركم من هو ابني. لكن لكي تفهموا، يجب أن أخبركم بما حدث لجده”. لاحقاً وقرب نهاية الفيلم، سنعرف أن المُخاطَب إسرائيلي. لكن ذلك المشهد يبسط أمامنا من البداية أمرين، الجمهور المعني الفيلم بمخاطبته، وهو جمهور لا يعرف الكثير عن الفلسطينيين. وثانياً تلك المهمة التي يتصدى لها صنّاع الفيلم، وهي مهمة تبدو بيداغوجية من جهة ومعنية بطلب الاعتراف من الآخر بإلحاح من جهة أخرى.
المخرجة خلال تصوير “اللي باقي منك”
ينقسم الفيلم إلى أربعة فصول، تقف في محطات الأعوام 1948 و1978و1988 و2022، متنقلة من يافا إلى مخيم في نابلس وصولاً إلى تل أبيب. ويبدو أحياناً وكأننا أمام أربعة أفلام قصيرة منفصلة، وربما خمسة، تتفاوت في مزاجها وإيقاعها ومستوى جمالياتها، وإن كانت جميعها تتناول سيرة متقطعة لعائلة فلسطينية واحدة. الفصل الأول الذي يتناول تهجير الجدَّين شريف (آدم بكري) ومنيرة (ماريا زريق) من منزلهما الموسر في يافا، يقدّم حصة تعليمية مؤثرة وواضحة لجمهور غير ملمّ بتفاصيل الانتداب البريطاني والنكبة والتطهير العرقي الذي رافقها. وفي هذا السياق تتم الإشارة إلى الأحداث التاريخية الكبرى على ألسنة أبطال الفيلم مثل مذبحة دير ياسين، بالإضافة إلى استحضار البرتقال اليافاوي برمزيته الفلسطينية المباشرة والنمطية.
لكن مع مرور الأعوام، يتحول الفيلم إلى دراما أكثر تعقيداً ومتعددة الأوجه تستعرض كاتالوغ الآلام الفلسطينية. الجد شريف (يقوم بدوره الممثل الراحل محمد بكري) الذي يداوي مرارة الخسارة بسخرية متواصلة ويعاني آثار خرف الشيخوخة، ما يجعله يخلط بين حاضره في المخيم في الضفة، وماضيه في يافا الذي لا يمكن استعادته. والابن سليم (صالح بكري) المدرّس الراغب في تجاوز الماضي حتى تستمر الحياة، لكن قيام دورية إسرائيلية بإهانته أمام ولده نور يزعزع تماسك العائلة الهش. يشعر سليم بالعار بينما يرمقه نور بنظرات الاحتقار في صمت أقرب إلى الخرس، قبل ينفجر في فورة تمرد على الأب الخانع، تعمّق مهانته. بالطبع يمكن قراءة ذلك الخط السردي على أكثر من مستوى، بوصفه أمثولة لعلاقات الأجيال الفلسطينية وتشوهها تحت الاحتلال، أو يمكننا الاكتفاء بالنظر إليه بوصفه تشريحاً لعنف الاحتلال في تفاصيل الحياة اليومية. في كل الأحوال، يظل ذلك الجانب من التراجيديا العائلية هو الأكثر رهافة ودرامية.
برتقال يافا
ينعطف الفيلم بشكل حاد نحو سردية تبالغ في توسّلها الاعتراف، إذ تقرّر العائلة التبرّع بأعضاء ولدهم نور الذي استشهد أثناء الانتفاضة الأولى إلى عدد من الأشخاص، من بينهم إسرائيلي. هكذا يُقدّم الفلسطيني بوصفه الضحية المثالية، التي تختار بذل الذات بدلاً من الكراهية. هذه الرغبة المفرطة في “أنسنة” الفلسطيني على حساب إنسانيته تحديداً، تسري عموماً في الإنتاج السينمائي الفلسطيني الموجه إلى جمهور عالمي، ولا تقتصر على هذا الفيلم وحده. لحسن الحظ، لا ينجرف “اللي باقي منك” بالكامل في هذا الاتجاه، فمحاولة الأم نَيل الاعتراف من الإسرائيلي الذي يعيش بقلب ابنها الراحل، لا تُقابَل سوى بلامبالاته وجحود بارد. من دون قصد على الأرجح، يطرح الفيلم سؤاله المُغرق في مفارقته، هل من جدوى إذاً من طلب الاعتراف؟!
