منذ عرض الحلقة من مسلسل “القيصر لا مكان لا زمان”، يكاد لا يخلو يوم من استياء وغضب وشكاوى وانتقادات واسعة، طاولت النص والممثلين المشاركين، واللغة العدائية تجاه الثورة السورية ورموزها، وفي كل يوم يتكشف تفصيل جديد يكاد لا يكون أقل سوءاً من الذي سبقه.
ويبدو أن المسلسل الذي أثار انتقادات حتى قبل عرضه، بسبب ما قيل عن استثماره معاناة ضحايا الأسد وتحويل ملف الاعتقال والتعذيب إلى مادة درامية، يجر اليوم وراءه أسئلة قانونية وأخلاقية تتعلق بحدود السرد الدرامي عندما يقترب من رموز الثورة وذاكرة السجون، أكثر مما يتعلق بمشهد واحد أو عبارة واحدة داخل عمل تلفزيوني.
إنذار نقابة محامي حمص للشركة المنتجة
هذا الاستياء الواسع، سواء من قبل مشاهدين عاديين أو من قبل ناشطين وحقوقيين، دفع نقابة المحامين في حمص إلى الدخول على خط المواجهة مع صنّاع “القيصر”، عبر تصريح لعضو مجلس النقابة المحامي عمار عزالدين لوسائل إعلام محلية، طالب فيه وزارة الإعلام والجهات المختصة بفتح تحقيق مهني مستقل في محتوى المسلسل، على خلفية ما قد يتضمنه من جرائم قدح وذم وإساءة إلى ذكرى متوفى، في إشارة مباشرة إلى استخدام اسم الشهيد عبد الباسط الساروت داخل العمل من دون الرجوع إلى عائلته أو أخذ موافقة خطية مسبقة منهم على النص والمعالجة الدرامية.
وانطلق بيان عضو النقابة من فكرة أن حرية التعبير الفني لا يمكن أن تتحول إلى مظلة تتيح المساس بالحقوق الشخصية أو تشويه وقائع الاعتقال والتعذيب الموثقة دولياً، وربط بين استمرار عرض العمل وبين تعميق الضرر المعنوي الواقع على عائلة الساروت وعلى ضحايا الانتهاكات في السجون، مع الإشارة إلى أن هذا الاستمرار قد يرتب مسؤولية تقصيرية على الشركة المنتجة، ويضعها في مواجهة احتمالات مخالفة قانون الإعلام رقم 108 لعام 2011 وأحكام قانون العقوبات المتعلقة بالإساءة إلى سمعة الأموات والاعتداء على الكرامة الإنسانية.
وطالب عزالدين بتشكيل لجنة فنية قانونية تدرس المحتوى بشكل مهني وتقترح تدابير احترازية، تتراوح بين تصويب المشاهد المخالفة وحذفها أو وقف بث الأجزاء التي تمس الحقوق الشخصية ورموز الثورة، على أن يعتبر بيان النقابة إنذاراً رسمياً موجهاً إلى الشركة المنتجة يمنحها مهلة لا تتجاوز سبعة أيام، قبل اللجوء إلى المسار القضائي المدني والجزائي، بما يحول غضب الشارع إلى مسار قانوني منظم لا يكتفي بالتنديد الأخلاقي على وسائل التواصل.
اعتذار سامر كحلاوي وفضيحة المونتاج
الضربة الأشد جاءت من داخل فريق العمل نفسه، حين خرج الممثل السوري سامر كحلاوي، الذي يؤدي شخصية “الرائد يسار” في المسلسل، في تسجيل مصور على حساباته في مواقع التواصل، ليحاول تفكيك المشهد الذي أساء إلى الساروت، وشرح ما جرى في كواليس التصوير والمونتاج.
وقدم كحلاوي اعتذاراً صريحاً عن العبارات النابية التي وردت على لسان الشخصية بحق الساروت، وبررها بأنها جزء من تجسيد ضابط أمن يمثل ممارسات الفروع الأمنية في عهد النظام المخلوع، وأن اللغة المستخدمة تعكس منطق الجلاد داخل غرفة التحقيق وليست تعبيراً عن قناعة الممثل أو صنّاع العمل، وكرر أن الهدف المعلن من أدائه كان إظهار قسوة تلك المرحلة، وكشف طبيعة الانتهاكات داخل المعتقلات، لا تبريرها أو المشاركة في خطاب يشتم رموز الثورة.
وقال إن تعديلات طاولت المسلسل في مرحلة المونتاج، حيث أشار إلى حذف مشاهد تضمنت شتائم وعبارات هجومية بحق بشار الأسد، مع الإبقاء في المقابل على مشهد إهانة الساروت، وهو ما فهمه كثيرون كاعتراف ضمني بوجود ميزان غير متكافئ داخل غرفة المونتاج، يخفف لهجة الخطاب عندما يتعلق برأس النظام، ويشدّدها عندما يتعلق برمز ثوري رحل، الأمر الذي حول الضرورة الدرامية إلى ذريعة ثقيلة تخدم رواية سياسية على حساب رواية الثورة.
وتحدث كحلاوي عن رفض الرقابة استخدام لهجة الساحل السوري لشخصيات الضباط، من أجل الابتعاد عن التنميط والحفاظ على السلم الأهلي، وذكّر بأنه من أبناء جسر الشغور وضابط منشق منذ عام 2012 وشارك في معارك القلمون ومدينة التل، وتعرض لملاحقات واعتقال في لبنان بسبب مواقفه السياسية.
بين الاعتذار والإنكار
في مواجهة هذا السيل من الاتهامات، لم تعد الشركة المنتجة “Power Production” صامتة تماماً، إذ تستعاد اليوم ذاكرة بيان سابق أصدرته في شباط/فبراير 2025، بعد موجة اعتراض أولى على مشروع المسلسل حين كان يحمل اسم “قيصر” بشكل مباشر، أعلنت فيه اعتذارها عن أي لبس أو سوء فهم رافق الإعلان، وأكدت أن العمل لا يرتبط بقانون “قيصر” ولا يحمل دلالات سياسية، بل يقدم نفسه كدراما اجتماعية تستند إلى قصص إنسانية، مع تعهد بإجراء تعديلات جوهرية شملت تغيير الاسم وإعادة النظر في جزء من طاقم التمثيل استجابة لملاحظات اللجنة الوطنية للدراما وغضب الشارع.
وبعد انفجار قضية مشهد الساروت، جاء الرد الأوضح من جهة الإخراج عبر مقابلة للمخرج صفوان نعمو مع برنامج مع وسائل إعلام عربية نفى فيها أساسا رواية حذف مشاهد تتضمن شتائم بحق الأسد، واعتبر أن ما جرى الحديث عنه يخص مشهداً آخر أدته الممثلة نظلي الرواس، مؤكداً أن المشهد المثير للجدل مر كما هو، وأن الحوار الذي تضمن إهانة الساروت يمثل “لغة النظام” داخل السياق الدرامي وليس لغة صناع العمل، وأن وجود المشهد داخل فرع أمني يفرض طبيعة قاسية في الكلام وفي تمثيل علاقة الضابط بالضحية.
