اتجاهات مستقبلية

الذكاء الاصطناعي بوصفه قوّة ناعمة عالمية

 

 

انطلقت في العاصمة الهندية نيودلهي قبل أيام، قمّة الذكاء الاصطناعي العالمية 2026 المعروفة باسم India AI Impact Summit بحضور مكثّف لقادة دول، ووزراء، وشركات التكنولوجيا الكبرى، ومؤسسات دولية، فيما وُصف بأنه أحد أكبر تجمّعات صنّاع القرار في هذا المجال. وقد هدفت القمة- ضمن أهداف أخرى- إلى صياغة “خريطة طريق مشتركة لحوكمة الذكاء الاصطناعي عالميًّا”، مع تركيز واضح على دور الدول النامية في صياغة قواعد اللعبة الرقمية الجديدة، لا مجرّد استهلاكها، في الوقت الذي أُعلن فيه أن دولة الإمارات ستستضيف قمّة الذكاء الاصطناعي في عام 2028، وذلك في العام الذي يلي استضافة الاتحاد السويسري القمة بالتعاون مع دولة الإمارات في دورتها المقبلة بمدينة جنيف عام 2027.

فلم يَعد النفوذ الدولي يُقاس فقط بالاقتصاد أو القدرات العسكرية، بل بمدى القدرة على تشكيل البنية التحتية الرقمية والمعرفية للعالم؛ إذ أصبح الذكاء الاصطناعي أداة تأثير ثقافي واقتصادي وسياسي في آن واحد، من منصّات التعليم إلى نماذج اللغة، إلى أنظمة اتخاذ القرار. حيث تُشير تقديرات الأسواق العالمية إلى أن اقتصاد الذكاء الاصطناعي قد يضيف نحو 15 تريليون دولار للناتج العالمي بحلول 2030، ما يجعله أكبر محرّك منفرد للقوة الاقتصادية المستقبلية. وعليه بدأت الدول الرائدة تتحول في تطوير الذكاء الاصطناعي إلى “مُصدِّرين للمعايير” (Standards Exporters)، وهو جوهر القوة الناعمة المعاصرة.

تُظهر مؤشرات القوة الناعمة العالمية صعود الدول التي تقود الابتكار التكنولوجي إلى قمة النفوذ الدولي، حيث تتصدّر دولة الإمارات والولايات المتحدة والمملكة المتحدة والصين التصنيفات. ومن ناحية أخرى يعكس مؤشر الذكاء الاصطناعي العالمي تفوّقًا إماراتيًّا؛ حيث حازت المرتبة الثالثة عالميًّا في مؤشّر تبنّي الذكاء الاصطناعي.

ولعلَّ أهم ما ميّز قمّة نيودلهي أنّها أول تجمّع عالمي كبير للذكاء الاصطناعي يُعقد في دولة من دول الجنوب العالمي، مع مشاركة رسمية واسعة، ووجود أجنحة وطنية لعدد من الدول، حيث شاركت دولة الإمارات بوفد رفيع المستوى برئاسة سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، ما يعكس طموح الهند لقيادة نموذج بديل يركّز على الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية، بدلًا من التركيز الغربي على السلامة والتنظيم فقط. فالهند تعتمد في ذلك على عناصر قوة ناعمة فريدة تشمل سوقًا رقميةً ضخمةً، وقاعدةً بشريةً من المهندسين والمبرمجين، ونظام بنية رقمية عامة:

(Digital Public Infrastructure) مثل Aadhaar وUPI، التي أصبحت نموذجًا تسعى دول أخرى لتبنيه.

إن أحد أبرز ملامح القمة هو الحضور الكثيف لشركات التكنولوجيا العالمية؛ ما يؤكد أن القوة الناعمة لم تَعد حكرًا على الدول. فالشركات باتت تمتلك أدوات تأثيرٍ عابرٍ للحدود تفوق أحيانًا نفوذ دول متوسطة الحجم، سواء عبر البيانات، أو المنصات، أو البنية التحتية الرقمية. ويكفي أن نعلم أن أكبر خمس شركات تكنولوجية في العالم تتجاوز قيمتها السوقية مجتمعة الناتج المحلي لمعظم دول العالم.

اليوم؛ تتنافس القوى الكبرى والفاعلة على صياغة قواعد أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ومعايير السلامة، وقواعد البيانات، لأن من يضع هذه القواعد يحدّد مسار الابتكار العالمي لعقود. وهنا يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى ما يشبه اللغة المشتركة الجديدة للنفوذ الدولي، حيث يصبح تبنّي دولة ما لنظامٍ أو منصةٍ معينة مدخلًا لتأثير طويل الأمد في اقتصادها وثقافتها وحتى سياساتها.

تكشف قمة نيودلهي أن العالم يدخل مرحلة تتراجع فيها أدوات القوة الناعمة التقليدية مثل الإعلام والثقافة لصالح قوة ناعمة رقمية تقوم على البيانات والخوارزميات. فالدولة التي تمتلك أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي، وأوسع البنى السحابية، وأغنى مجموعات البيانات، ستكون قادرة على التأثير في التعليم والصحة والاقتصاد، وحتى الوعي الجمعي لشعوب أخرى، دون الحاجة إلى أدوات ضغط تقليدية.

لم يَعد السؤال من يملك النفط أو الجيوش الأكبر، بل من يملك الخوارزميات الأكثر ذكاءً والبيانات الأكثر اتساعًا. ومن هذه الزاوية، تبدو قمة نيودلهي علامة على انتقال مركز الثقل العالمي نحو دبلوماسية الذكاء الاصطناعي، حيث تُصاغ التحالفات الجديدة حول التكنولوجيا لا الأيديولوجيا. وإذا كان القرن العشرون قد شهدَ صعود القوة النووية بوصفها عاملًا حاسمًا، فإن القرن الحادي والعشرين قد يَشهد صعود الذكاء الاصطناعي بوصفه السلاحَ الأكثرَ تأثيرًا، لكنّه سلاحٌ ناعمٌ يُعيد تشكيل العالم من الداخل لا عبر الصدام المباشر.