في مواجهة عاصفة من الانتقادات التي وصلت إلى التهديد بالقتل، خرج المخرج السوري صفوان نعمو ليدافع عن مسلسله “القيصر: لا مكان لا زمان”، موضحا أن العمل يهدف لمقاربة الذاكرة الإنسانية السورية لا المتاجرة بها.
ويستعرض المسلسل -الذي يُعرض في رمضان الجاري- كواليس القهر الذي تعرّض له السوريون إبان حكم نظام الأسد، والتعذيب الذي عاشه المعتقلون في السجون، ويتعرّض لتفاصيل ما كان يجري في المعتقلات، التي شهدت تصفية مئات آلاف المعتقلين -حسب تقارير حقوقية- وعلى رأسها سجن صيدنايا سيء الصيت.
اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
نعمو قال -في حديث مع الجزيرة نت- إن حالة الجدل كانت متوقعة، “لكون العمل يلامس جراحا لم تندمل ويتناول ذاكرة إنسانية لا تزال حية ومؤلمة عند كثير من السوريين”، لكنه قال إنه “صُدم” من تحول النقاش من “نقد فني مشروع إلى تخوين واتهامات وتهديد بالقتل”.
وكانت إحدى حلقات “القيصر: لا مكان لا زمان” أثارت غضب قطاع من الجمهور، إذ تضمّنت شتما لحارس مرمى نادي الكرامة الراحل عبد الباسط الساروت، الذي يعتبره كثيرون أحد رموز الثورة السورية.
المخرج السوري قال إن لقطة شتم الساروت جاءت ضمن سياق درامي لم يُقصد منه الإساءة، إلا أن “المناخ صار سريع الاتهام، فمن حق الناس أن تغضب وتنتقد، لكن قبل إطلاق أحكام قاسية أو اتهامات أخلاقية وسياسية، يجب التحقق مما قاله العمل فعلا وما لم يقله”.
وأشار إلى أن فريق العمل تعامل مع الانتقادات “بهدوء واحترام”، معتبرا أن المشكلة “جزء من النقاش خرج من سياقه الدرامي إلى سياق سياسي أو شخصي”، وأن “تقييم الأداء والكتابة والإخراج حق مشروع، لكن تحويل كل تفصيل إلى محكمة نوايا أو إلى استهداف أشخاص لا يخدم القضية ولا الفن”.
وكان الممثل سامر كحلاوي -الذي أدى شخصية الضابط الذي شتم الساروت-، قال إن المشهد خضع لما وصفه بـ”تلاعب في المونتاج”، وإن السياق الدرامي كان يهدف إلى إبراز “إجرام النظام المخلوع” لا تبريره.
إلا أن نعمو رد عبر حسابه على “إنستغرام” بالقول إن “المشهد المتداول لم يكن إساءة كما صُوّر، بل توثيقا دراميا لواقع معروف، يعكس ما كان يصدر عن ضباط النظام البائد”، نافيا في الوقت ذاته رواية “التلاعب في المونتاج”.
“الجزيرة نت” أجرت لقاءً مع المخرج السوري صفوان نعمو، تحدّث خلاله عن التحديات التي واجهته بعد عرض “القيصر: لا مكان لا زمان”، وكشف عن ملامح الحلقات المقبلة من المسلسل الرمضاني:
منذ عرض إعلاناته التشويقية، تعرض مسلسل “القيصر: لا مكان لا زمان” للكثير من الانتقادات التي تصاعدت نبرتها مع بدء عرض حلقاته، هل كنت تتوقع ردة الفعل هذه؟
الجدل كان واسعا، لكنه كان متوقعا إلى حد كبير، لأن أحداث العمل عالجت ذاكرة إنسانية لا تزال حية ومؤلمة عند كثير من السوريين. أي عمل فني يتناول الاعتقال والحرب لا بد أن يثير حساسية عالية. لكن ما لم أتوقعه، هو أن يتحول جزء من النقاش من نقد فني مشروع إلى تخوين واتهامات وتهديد بالقتل. هذا المسار لا يخدم الضحايا ولا يحمي الذاكرة، بل يغلق باب الحوار الذي نحتاجه جميعا.
المخرج السوري صفوان نعمو (يمين) في كواليس تصوير مسلسل “القيصر: لا مكان لا زمان” (الجزيرة)
هل وصلت التهديدات التي تلقيتها إلى حد القتل؟ من الجهة المُهددة؟ وهل اتخذت إجراءات رسمية؟
جاءت التهديدات عبر رسائل من حسابات على شبكات التواصل الاجتماعي، وبعضها كان مباشرا وصريحا. لا أرغب في تحويل الأمر إلى سردية بطولية، لكن كان من واجبي التنبيه إلى خطورة هذا الخطاب. قمت بتوثيق كل ما ورد من تهديدات، واتخذت إجراءات حماية شخصية. أما المسار القانوني، فأتركه للجهات المختصة لتتصرف وفق الأصول.
لماذا اخترت الرد على الاتهامات بآية قرآنية ودعوة للتحقق؟
لأن مناخ النقاش أصبح صعبا، وصار الكل يكيل الاتهامات، ورسالتي كانت بسيطة. من حق الناس أن تغضب وتنتقد، لكن قبل إطلاق أحكام أخلاقية أو سياسية قاسية، يجب التحقق مما قاله العمل فعلا وما لم يقله. نحن لم نقدم وثيقة سياسية أو ملفا توثيقيا، بل عملا دراميا إنسانيا يفتح مساحة تأمل لا مساحة تحريض.
كيف تعاملت مع اتهام العمل بالإساءة لعبد الباسط الساروت؟ وهل ترى أن النقاش حول الأمر خرج عن سياقه؟
“تعاملنا بهدوء واحترام. المشكلة أن النقاش انتقل من تقييم الأداء والكتابة والإخراج إلى محاكمة نوايا وأشخاص. النقد الفني حق مشروع، لكن تحويل كل تفصيل إلى اتهام سياسي أو شخصي يُخرج النقاش عن سياقه الدرامي ويشوّش على الهدف الأساسي للعمل.
ماذا تقول لعائلات الضحايا والمعتقلين السابقين ممن عبّروا عن اعتراضهم على المسلسل؟
أقول لهم إن مشاعرهم مفهومة ومحترمة، وحقهم أن يخشوا من استغلال الألم. لم نصنع هذا العمل لاستثمار الوجع، بل للحفاظ على الذاكرة الإنسانية وفتح مساحة تعاطف وفهم. حاولنا تجنب الصدمة المجانية والتركيز على الإنسان لا على الاستعراض.
مسلسل “القيصر: لا مكان لا زمان” أثار حفيظة أهالي المفقودين والمعتقلين (الجزيرة)
عاب البعض على “القيصر: لا مكان لا زمان” استخدام “اللهجة البيضاء” مع رجال أمن النظام السوري المخلوع. كيف تعلّق؟
هذا خيار درامي مقصود لتجنب حصر القسوة في جغرافيا محددة. نحن نتعامل مع منظومة قمعية لا مع منطقة بعينها. استخدام لهجة بيضاء يساعد على تعميم الفكرة وتقديمها كرمز لسلطة متسلطة، لا كهوية مكانية محددة
هل كان قرار اعتماد “اللهجة البيضاء” رؤية درامية صرفة؟ أم لدواعٍ إنتاجية؟
في الحقيقة، هو خليط من اعتبارات عدة، لكن الأساس كان رؤية درامية واضحة تكمن في عدم ربط الشر ببيئة محددة أو شيطنة جماعة معينة عبر استخدام لهجتها. هناك بالطبع اعتبارات إنتاجية تتعلق بتنوع الممثلين، لكن القرار النهائي كان لخدمة المعنى قبل أي شيء.
هل زرتم سجن صيدنايا قبل التصوير للحرص على دقة محاكاة واقعه؟
تعاملنا مع سجن صيدنايا بوصفه رمزا لمرحلة قاسية أكثر من كونه موقعا يعاد نسخه حرفيا. ما يعنيني كمخرج هو الأثر النفسي الذي يخلفه السجن على الإنسان. أي اقتراب من هذا الملف يترك صدمة داخلية، ويذكرك بأن الألم مسؤولية أخلاقية وليس مادة للفرجة.
هل جلستم مع معتقلين سابقين؟ وهل استندتم لقصص محددة؟
اطلعنا على شهادات إنسانية متعددة لفهم المناخ النفسي وتجربة الاعتقال، لكننا لم نبنِ الشخصيات على حالة بعينها. لم ندّعِ التوثيق الحرفي، ولم نقتطع قصة شخص ونضعها باسم آخر. استفدنا من الشهادات كخلفية إنسانية عامة، لا كاقتباس مباشر.
هل اعتمدتم على التقارير الحقوقية أم على روايات شهود؟
هدفنا الأساسي كان فهم التجربة الإنسانية من خلال شهادات متعددة ومصادر متاحة لفهم السياق العام. لكن العمل لم يكتب بوصفه تقريرا حقوقيا أو محضر تحقيق، بل سردا دراميا عن أثر الاعتقال على الإنسان والمجتمع”.
هل حصلتم على مواد أرشيفية رسمية من سجون النظام المخلوع؟
لا. العمل لم يبن على أرشيف رسمي بهدف المطابقة الدقيقة، لأنه ببساطة ليس مشروعا توثيقيا. هو معالجة درامية لمرحلة وآثارها النفسية والاجتماعية.
هل شارك أي ناج من صيدنايا في العمل؟
أحترم أي ناج يرغب بالمساعدة، لكن لا أحب استعراض أسماء أو تفاصيل إعلاميا. ما أؤكده أننا سعينا لفهم التجربة الإنسانية من مصادر متعددة دون الادعاء بامتلاك الحقيقة الكاملة.
الممثل السوري نوّار بلبل (يمين) ضمن فريق عمل مسلسل “القيصر: لا مكان لا زمان” (الجزيرة)
هناك من انتقد “نظافة” مواقع التصوير مقارنة بواقع سجون النظام. أين صورت المشاهد؟
التصوير جرى في مواقع متاحة ومسموح بها قانونيا داخل سوريا، وتم تصميمها دراميا لتخدم المشهد. لم نقصد تجميل الواقع، لكن هناك حدود إنتاجية وتقنية. كما تعمدنا ألا نلجأ إلى صدمة بصرية مجانية أو استعراض دموي، وركزنا على الأثر النفسي أكثر من التفاصيل الحرفية.
هل ساهمت أي جهة حكومية أو رسمية في دعم إنتاج “القيصر: لا مكان لا زمان”؟
أُنجز العمل ضمن أطر إنتاجية معروفة، والتصوير تم بشكل قانوني ورسمي. لكن وجود موافقات تصوير لا يعني بالضرورة تبني جهة رسمية لمحتوى العمل، أو أن العمل يمثّل مادة دعائية لأي طرف. المعالجة كانت إنسانية لا خطابا سياسيا مباشرا.
هل حصلتم على أذونات رسمية للتصوير؟
نعم، كان ذلك شرطا إنتاجيا أساسيا لضمان سير العمل ضمن الإطار القانوني المتاح.
لماذا عُرض العمل على إحدى منصات البث بعنوان مختلف؟
قرار عرضه على منصة “شاشا” تحت عنوان “سجون الشيطان” كان تسويقيا مرتبطا بالهوية البصرية للحملة الترويجية، وليس تغييرا فنيا في هوية العمل. المسلسل سيبقى “القيصر: لا مكان لا زمان” في العروض والمنصات المقبلة، ولا يوجد أي اختلاف في المعالجة أو محتوى الحلقات.
لاحظنا غياب الأسماء الكبيرة من نجوم الصف الأول عن العمل. هل كان ذلك خيارا متعمدا؟
منذ البداية كانت هناك رغبة بإشراك فنانين معروفين بمواقفهم المعارضة، وعُرضت أدوار على أكثر من اسم، لكن بعضهم اعتذر لأسباب فنية أو إنتاجية. في النهاية، الدراما ليست أسماء على ملصق دعائي، بل صدق أداء وتماسك حكاية.
الممثل السوري فراس إبراهيم (يمين) رفقة نعمو في كواليس تصوير “القيصر” (الجزيرة)
فيما يتعلق بالحلقات القادمة من المسلسل، هل نتوقع تركيز أعمق على شخصيات السجانين؟
ستتصاعد الأحداث في الحلقات المقبلة، وسيكشف المزيد عن ديناميكيات السلطة والخوف داخل السجن وخارجه، لكن دائما ضمن مقاربة نفسية وإنسانية، لا ضمن استعراض للشر بوصفه مادة تشويق.
هل سيتطرق “القيصر: لا مكان لا زمان” للمقابر الجماعية التي ارتكبها النظام وعملية نقل الجثامين؟
التعامل مع هذه الملفات يتم بحساسية عالية. إن تم الاقتراب منها، فسيكون ضمن سياق يراعي مشاعر الناس، لا بهدف الصدمة البصرية أو التوثيق المباشر.
هل ستتواصل أحداث المسلسل إلى لحظة سقوط النظام في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 والإفراج عن المعتقلين؟
العمل يركز على مرحلة وتجربة إنسانية محددة. ليس شرطا أن تنتهي الحكاية عند حدث سياسي كبير. أحيانا تكون النهاية الدرامية في التحول الداخلي للشخصيات، لا في التطور السياسي العام.
أخيراً، بعد الجدل والتهديدات التي صاحبت العمل، هل كنت ستتخذ القرارات نفسها لو عاد بك الزمن؟
ربما كنت سأكون أكثر ووضوحا في التواصل مع الجمهور قبل العرض، لكن على مستوى الخيار الفني -المقاربة الإنسانية غير التوثيقية واحترام حساسية القضية- نعم، لأنني ما زلت أؤمن بأن الدراما مساحة حوار إنساني، وأن تكميم الفن بالتهديد أو التخوين ليس حلا.
