حقق مسلسل “الست موناليزا” الذي عرض منذ بداية رمضان نجاحاً لافتاً، إذ يتناول قصة امرأة تتزوج رجلاً مخادعاً بعد قصة حب فتكتشف حقيقته المؤلمة بعد الزواج، وتتعرض للتعذيب والقهر والتلاعب منه وعائلته، لدرجة تدفعها إلى ارتكاب جريمة قتل على رغم كونها شخصية مسالمة ونقية.
وتصدر العمل المركز الأول بمنصات المشاهدة وسط عدد ضخم من المسلسلات التي يؤدي بطولتها نجوم الشاشة العربية، وتحمل موضوعات بعيدة من عالم المرأة، لكن يبدو أنها ليست صدفة، بدليل تربع أعمال سابقة تتعرض لفكرة قهر المرأة ومعاناتها قمة المشاهدات مثل مسلسل “ورد وشيكولاتة” الذي تناول مقتل مذيعة مصرية على يد زوجها، وكذلك مسلسل “ساعته وتاريخه” الذي ناقش مقتل الشابة المصرية نيرة أشرف على يد شاب رفضت الزواج منه.
موناليزا… ضحية أم متهمة؟
كان اسم الشخصية الأساسية في مسلسل “الست موناليزا” مثار انتقاد في البداية، واستنكر بعض المشاهدين واقعية أن يسمي أب ابنته موناليزا على اسم اللوحة الشهيرة في المجتمع المصري، لكن مع بداية الأحداث تتكشف الحقائق، فالفتاة التي دائماً تراها شبه مبتسمة تحمل آلاماً شديدة لا يمكن استيعابها، وغير مفهوم لماذا تداريها بابتسامة بريئة وفي الوقت نفسه غامضة، وبدا منطقياً أن تحمل الشخصية هذا الاسم نظراً إلى ارتباطها بطبيعة التطور والأحداث، وكأن الاسم كناية ووسيلة يعبر بها الصناع عن مدلول العمل.
منذ الحلقة الأولى، يضع “الست موناليزا” المشاهد أمام مفارقة صادمة، فالفتاة البريئة في لقاء تلفزيوني مع المذيع الشهير عمرو أديب، الذي ظهر ضيف شرف، تعترف بارتكاب جريمة قتل وجمعها بين زوجين، قبل أن تبدأ في سرد حكايتها من البداية.
موناليزا أو الشخصية التي تقدمها مي عمر ليست نموذجاً لقاتلة تقليدية، بل ضحية غير تقليدية، وربما امرأة سحقتها التجارب حتى دفعتها إلى خيارات قصوى. تبدأ القصة بفتاة بسيطة يتيمة تعيش مع خالها وزوجته بمحافظة الإسماعيلية، وتنشأ على الحب والبساطة والدفء والأخلاق الحميدة، وتعمل طباخة بأحد الفنادق الشهيرة بالمدينة الصغيرة، وتتغير حياتها عندما يظهر حسن جارها القديم الوسيم المقيم بمحافظة القاهرة، ويوهمها أنه ثري ويتزوجها بعد خداع أهلها، ثم تنقلب الأمور بعد اكتشافها حقيقته وحالته المادية وترديه الأخلاقي هو وعائلته.

موناليزا أو الشخصية التي تقدمها مي عمر ليست نموذجاً لقاتلة تقليدية (مواقع التواصل)
تتعرض موناليزا لكل أنواع القهر، فالأسرة تعاملها بجفاء وتستغلها، وتمارس عليها كل أنواع الألاعيب وتسرق مستحقاتها، ويخدعها الزوج باسم الحب، ويطلب دائماً فرصة جديدة فتمنحه إياها أملاً في أنه سيتغير للأفضل.
لم يعتمد مسلسل “الست موناليزا” على طريقة قهر أو عنف تقليدية، لكن تصاعد الأحداث كشف عن أن العنف هنا ليس جسدياً فحسب، بل نفسي واقتصادي واجتماعي، وهو أخطر أشكال القهر، وأكثرها انتشاراً في الأوساط النسائية في معظم البلدان العربية.
وعلى رغم بساطة حكاية المسلسل فإنه حقق تأثيراً كبيراً، لأن القوة الدرامية للعمل لا تعتمد على مشاهد الضرب أو الصراخ، بل على الإذلال المتراكم الذي يدفع مع الوقت لتغير الشخصية وتحولها من المسار الأليف الحنون إلى طريق لم يكن بخطر على البال، وربما ينتهي المطاف خلف جدران السجون، فالبطلة أجبرت أن تعيش تحت وطأة معاملة زوج سيئة وظلم مستمر، مما دفعها إلى مسار مأسوي لاحق، وهذا النوع من الدراما يقترب من واقع آلاف النساء اللاتي لا يظهر العنف ضدهن في تقارير الشرطة، بل في تفاصيل الحياة اليومية.
واقعية لكن قاسية
اعتمدت القصة الأساسية لمسلسل “الست موناليزا” على قصة جريمة حقيقية، وكذلك مسلسل “ورد وشيكولاتة”، و”ساعته وتاريخه” وغيرها من الأعمال المهمة. تزايد حدة العنف ضد المرأة مثل جريمة قتل فتاة المنوفية التي قتلها زوجها وهي حامل بعدما عرضها للتعنيف البدني ففقدت حياتها وحاول أهله التستر عليه، ثم جريمة المصرية التي ألقاها زوجها من شرفة المنزل، والفتاة الريفية التي حبسها والدها من دون طعام أو شراب حتى توفيت، وقبل كل ذلك جريمة قتل الطالبة نيرة أشرف والمذيعة شيماء جمال على يد رجال مارسوا القتل للترهيب والعقاب ضدهن.
كل هذا التصاعد المأسوي خلق سوداوية عميقة لدى الجمهور، فأصبح متلهفاً لتلقي الأعمال الدرامية التي تربط بين وقائع حقيقية وعنف جرت ممارسته ضد النساء لأسباب عدة، شغف الجمهور وسيطرة تلك النوعية من الأعمال على أعلى نسب مشاهدة قد يكونان ذوي مغزى نفسي في الأساس مثل التعاطف الغريزي مع الضحية، فالمجتمع يميل إلى مساندة الضحايا وحمايتهن من القوة الذكورية الغاشمة، وكذلك هناك شعور بالتطهير العاطفي عند مشاهدة تلك الأعمال التي راح ضحيتها نساء، ولم تعد مساندتهن أمراً مجدياً، فيميل المشاهد إلى التطهر العاطفي بالبكاء والشعور بالألم والغضب كنوع من التنفيس أو التضامن المتأخر.
ويمثل الفضول تجاه المأساة عنصراً أساساً في نجاح الأعمال التي تتناول القهر الممارس على النساء، بخاصة إذا تحولن لضحايا وقتيلات، أو انحرف مسارهن نحو ارتكابهن جرائم في حق كل من مارس عليهن القهر أو العنف.

اقتبست القصة الأساسية لمسلسل “الست موناليزا” من جريمة حقيقية (مواقع التواصل)
نجحت كثير من الأعمال التي تعتمد على فكرة قهر النساء في الماضي مثل مسلسل “سجن النساء” و”لأعلى سعر” و”تقابل حبيب” وغيرها نجاحاً كبيراً، لكن تظل الأعمال التي استوحت من قضايا حقيقية وجرائم نسوية تشكل مساحة مغايرة أكثر تأثيراً لدى الجمهور، لدرجة أن صناع الدراما أصبحوا أشد جرأة وشغفاً في تناول هذا النوع، لأنه أكثر إيلاماً ومتزامن مع جرائم حقيقية هزت الرأي العام المصري في الأعوام الأخيرة، وهذه الأحداث قد لا تذكر في الدراما بوصفها وقائع محددة، لكنها تشكل الخلفية النفسية للمشاهد الذي يتابع الأحداث الحقيقية ويعرفها فلا يفكر في الخيال، بل يربطه بما يعرفه من حقائق. وهنا لا تصنع الدراما الصدمة، بل تستدعي صدمة موجودة أصلاً في نفس المشاهد وذاكرته فيتفاعل مع العمل بصورة غير متحققة مع أي عمل آخر.
ولأن الشريحة العظمى من الجمهور قد تكون من النساء في مختلف الأعمار، وجميعهن يدعمن المرأة المعنفة، طرحت الموضوعات النسائية بصورة أكثر جرأة في الدراما، ولم تعد المرأة تنتظر الإنقاذ في بعض تلك الأعمال، بل قد تتحول إلى فاعل أساس حتى لو كان ذلك عبر الجريمة، وبعض المسلسلات قدمت نموذج الانتقام النسوي أو استعادة الكرامة، إذ تتحول الضحية إلى شخصية صلبة تسعى إلى العدالة، وهذا النموذج يلقى قبولاً جماهيرياً، لأنه يمنح شعوراً بالإنصاف، لكنه قد يميل أحياناً إلى المبالغة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الرجل في دراما القهر النسوي
من الانتقادات المتكررة لهذا النوع من الأعمال أنه يقدم الرجال في صورة أحادية، فالرجل في تلك المسلسلات عنيف وأناني وظالم ومتلاعب وانتهازي ومضطرب نفسياً في بعض الحالات، وهذه الصورة تحض على الكراهية في بعض الأوقات، لأنها تعمل على شيطنة الجنس الآخر، لكن دائماً يدافع صناع دراما القهر النسوي أن صورة الرجل بتلك الأعمال ليست خيالية، بل نماذج واقعية من وحي ملفات جرائم رسمية.
معظم صناع الدراما قد لا يهدفون إلى معالجة قضية إنسانية، بل يستثمرون الألم لتحقيق نسب مشاهدة على رغم أن تلك القضايا الحقيقية تحوي كثيراً من العنف النفسي، وأخطار خلق فجوة بين الجنسين، لكن بالنظر إلى نتائج الأعمال السابقة استطاعت الدراما كقوى ناعمة الوصول إلى مبتغاها بصورة إيجابية، إذ تزيد تلك الأعمال التعاطف مع الضحايا، وتسهم في التوعية بالمشكلات الأساسية التي تتسبب في تصاعد الأزمات بين الرجل والمرأة.

تواجه مسلسلات القهر النسوي انتقاد بأنها تقدم الرجال في صورة أحادية (مواقع التواصل)
كذلك فإن تلك الأعمال ترفع الوعي بالعنف الأسري، وتشجع على النقاش العام الذي من شأنه الدفع بمزيد من المطالبات بحماية قانونية للمرأة ضد العنف والممارسات القهرية.
نجاح دراما القهر النسوي لا يعني أن الجمهور يعشق المعاناة، بل إنه يبحث عن تفسير لواقع مضطرب، فالمشاهد لا يهرب من الحقيقة، بل يقترب منها عبر وسيط فني يمنحه مسافة آمنة للفهم والتعاطف.
والدراما هنا ليست مجرد حكاية تروى، بل محاولة جماعية لاستيعاب ما يحدث في المجتمع، وعلى رغم أنها مرآة قاسية أحياناً، فإنها ضرورية، لأنها تكشف ما لا نستطيع التعامل معه في الحقيقة وجهاً لوجه.
