وهكذا أستكمل اليوم قراءة أفلام “من المسافة صفر وأقرب” في عامها الثاني بدعم من “صندوق المشهراوي” لدعم السينمائيين في غزة، وأتابع النجاحات التي تحصدها هذه الأفلام في مهرجانات العالم، عدا عن عشرات العروض التي تخطف القلوب وتثبّت العقول لتستمر في وقوفها إلى جانب القضية الفلسطينية.
“حكايات خير مكتملة” للمخرج نضال دامو
من السماء بدأت الكاميرا في هذا الفيلم الوثائقي رحلتها، ومن هناك تلتقط المشهد الأول حيث الركام والبيوت المهدّمة، مشهد حقيقي لكنه سيبقى غير معتاد إلى الأبد، ومن هنا تبدأ حكايات كثيرة يحاول المخرج البحث عن واحدة لتكون قصة الفيلم. نضال هو الراوي والمخرج من خلف الكاميرا وأمامها، يسير بنا ويأخذنا إلى قصص كثيرة.
يجلس فيما يشبه بقايا البيت وسطح زينكو وبعض القماش مع قطته غزال، يحاول منحها بعض حكمة الحرب فيقول لها: “لازم نعيش، وعشان تضلّي عايشة لازم تتأقلمي”، ثم يذكر مزايا الجوع بفكاهة ضياع الكرش.
تسير الكاميرا بين أطفال يلعبون فوق الركام وفي ساحات مدارس النازحين، وفي خيمة حيث أطفال يرسمون، بينما تقف طفلة رافضةً التفاعل واللعب، فقد تحوّلت شخصيتها بعد أن فقدت يدها لتصبح أكثر عزلة، تكره التصفيق وأن ترى حتى دمية مكتملة الأطراف. الطفلة لم تستطع التحدّث عن كل هذا، وهنا كان على نضال البحث عن قصة أخرى.
يتجه إلى أطفال أحدهم يسير على عكازتين مبتور الأطراف، والذي لم يقوَ على الحديث، لأنه فقد كِلا ساقيه ووالده وأعمامه، وجميعهم تبخّروا لا أثر لهم. يعود نضال إلى قطته ليحكي لها عن عائلة تبخّرت كما تبخّرت قصته، وعليه أن يبحث عن أخرى، فبحسب قوله: “في غزة مليون قصة”.
كانت الموسيقى التصويرية في الوثائقي حزينة، توحي لك بملاحقة الأحداث بحذر شديد، ثم تتوقف الكاميرا عند حاجة تتحدّث عن الكلاب الصغيرة التي أنقذتهم بعد موت والدتهم، وفي الزاوية الطفلة سناء يحاول المخرج محاورتها، لكنها مع كل سؤال تستمر في البكاء، فقدت عائلتها وفقدت معها القدرة على الكلام، وتعيش وأخوها مع جدتها. تلاحق الكاميرا احتضان أخيها لها قبل أن تختفي وراء ستار بعيدًا، وهكذا لم تكتمل الحكاية.
لقطة من “حكايات غير مكتملة”
كالمعتاد يعود نضال لقطته يشكو حاله والفيلم الذي يأبى أن يكتمل، إلى أن يصل إلى سليمة التي فقدت عائلتها ومنزلها وكل شيء. بقيت وحيدة صامدة تحاول أن تكسب لقمتها من الخياطة وتريد أن تعيش رغم كل شيء. سليمة جعلته يعود منهكًا أكثر فأكثر، وفي البيت يتساءل عن حقيقة سعادتها التي لمسها رغم كل ما مرّت به، سؤال منطقي في مكان لا علاقة له بالمنطق، وعن جدوى الأفلام تحت الإبادة، في سؤال مشروع.
وبعد يومين من بدء التصوير قصفت طائرات الاحتلال خيمتها واستشهدت سليمة، و”قتلوا الإنسانة التي تعلّم الناس الحياة” كما قال نضال، الذي لم يعرف لها قبرًا أو أهلًا ليُحسن عزاؤها، ولا حتى ورودًا، مشيرًا إلى غزة التي كانت تصدّر الورود إلى العالم لكنها اليوم قاحلة.
شعر نضال، المخرج والراوي، بالعجز التام، ولم يعد مهمًا أن يجد قصة مكتملة لتصويرها في فيلم، المهم الآن صناعة وردة بيضاء يدويًا من ورق أو قماش، ثم يمشي بين الأزقة يتساءل لمن يهديها، بعد أن صنعها لروح سماح.
مرّ التصوير في ظروف صعبة وأبرزها المجاعة، كان فريق العمل يحاول عدم التحرك كثيرًا كي لا يشعروا بالجوع، لكن كان الاستمرار يعني بذل طاقة كبيرة، وبين هذه القصص فوجئ نضال بقصة لم يبحث عنها أبدًا، حين استشهاد ابنه محمود (21 عامًا) فداءً لكيس الطحين، رغم تحذيره مرارًا من الذهاب إلى منطقة المساعدات القاتلة. وهكذا كانت الوردة من نصيب ابنه، وضعها على قبره وتساءل بحزن وقهر شديدين: “ماذا أقول لأمه؟ سأقول كل الذين ماتوا أولادك، والباقون هم أيضًا أولادك، ومن سيعمّر البلد أيضًا أولادك”.
“يحتفي المشهراوي وطاقم الإنتاج بالمخرجين وإنجازاتهم رغم الظروف الصعبة، بمشاركة الأفلام في أهم المهرجانات العالمية”
ملحمة من الحكايات والوجع والإصرار والانهيار والفقد والألم، مع شيء من الحب والحياة ونبض لا ينتهي ولا يكتمل إلا بالحكايات التي ترمي المشاهدين في حفرة تشبه الانهدام كما ترميهم على قمة الحياة.
قال لي نضال: “الفيلم عن أطفال فقدوا أطرافهم، لكن في المرة الأولى رفض الطفل التصوير، وفي الثانية نزحت العائلة فلم أجدها، وثمة طفلان آخران فقد كل منهم والديه وبقيا عند جدتهما ورفضا الحديث، وهذا كله نابع من مشاكل نفسية، وخلال ورشة مدرّبين في مجال الدعم النفسي اخترت سليمة التي فقدت أسرتها، أعجبني إصرارها على الحياة إلى أن استشهدت، ثم استشهد ابني في ذروة المجاعة، فقد أصرّ على الذهاب لإحضار أكل لإخوته، وفي النهاية قررت أن يكون الفيلم عن هذه القصص، ففي غزة حكاياتنا لا يمكن أن تكتمل”.
“أحلام فرح وزهرة” للمخرج مصطفى النبيه
هذا الفيلم هو رحلة متكاملة في عالم الأطفال في غزة، تتداخل فيه قصة الفتاتين الموهوبتين؛ فرح المولعة بالرسم وزهرة المولعة بالدوبلاج وتقليد شخصيات القصة بأصوات مختلفة فتمنحها روحًا. وهكذا كانت البداية حين تعرّفت زهرة على صاحب قصة مستوحاة من التراث الشعبي “ستي ست الحسن”، الكاتب والمخرج مصطفى النبيه. أرادت أن تقوم بدوبلاج صوتها وتسجيله كي يتمكن الأطفال من متابعة أحداث القصة أينما كانوا وحينما تتوفر شبكة الإنترنت على هواتفهم النقالة.
شكّل هذا الوثائقي مقاربة بين القصة التراثية وواقع الفتاتين تحت الحرب، وكانت المشاهد الأولى تتناول فرح الأطفال ومحاولتهم اللعب في كل زاوية من زوايا الحرب.
تقول فرح بتلقائية: “قبل الحرب كان لديّ كوام كوام أحلام”، ولكن الحرب حوّلتها للعيش في خيمة تقلق خصوصيتها وتخنق حريتها، حتى البكاء يصبح صعبًا، ومما زاد صعوبة الحياة عليها والدها المريض والمقعد الذي تسوء حالته واستشهاد أخيها، ومع ذلك بقي الرسم هو ما يهوّن الحياة عليها.
أما زهرة فلم تستطع عائلتها النزوح سوى بحقيبة خفيفة إلى الجنوب، وهناك لم يعرفوا أحدًا، وفجأة وجدت أنها تحوّلت من طفلة إلى فتاة تطبخ وتخبز وتقوم بمهام شاقة لم تعتد عليها.
قررت الفتاتان أن تبحثا عن قصص حقيقية في غزة ليقوما بقصّها على الأطفال، منها أم لم يمنحها الله نعمة الأمومة لكن الحرب منحتها طفلًا تيتم وهو في الشهور الأولى من عمره، تروي كيف كان يكبر وتكبر معه تساؤلاته عن والديه الحقيقيين.
غادرت فرح وزهرة إلى قصة أخرى لأم جاءها فجأة نبأ استشهاد أبنائها الأربعة في مجزرة المعمداني: هاني ومحمد وماهر وطلعت. انهمرت دموعها وهي تحكي وكأنها تسمع الخبر الآن، وبين عينيها حيرة وتساؤلات حول من تبكي أولًا!
توصلت الفتاتان إلى استحالة قصّ هذه الحكايات للأطفال. تقول زهرة وكأنها في الدوبلاج: “صدمني الواقع، أدركت الحقيقة المؤلمة بأننا لا نملك العصا السحرية، نحن الصغار أحلامنا وردية محصورة بين أن نلعب ونلعب ونلعب”.
وتضيف: “قصص كثيرة مؤثرة لا تصلح لكبير أو لصغير لأن لا أحد يستطيع احتمالها”.
ينتقل الوثائقي إلى فترة الهدنة، وينتقل المخرج لمرافقة الفتاتين في رحلة العودة. ذهبت فرح بعد أن رسمت على الأوراق وعلى باب الخيمة، تتوق إلى بيتها وغرفتها ورسوماتها، لكنها لم تجد شيئًا من هذا. لم تجد سوى الركام.
أما زهرة فلم تجد أثرًا لبيتها الذي قُصف وتم تجريفه، كانوا العائلة الوحيدة التي عادت إلى المكان، ولم يكن بوسعهم سوى أن يبدأوا من جديد بناء خيمتهم.
تنتهي قصة ست الحسن أيضًا. تقول زهرة: “سأعلّم الصغار أن يكونوا ست الحسن والفارس المغوار الشاطر حسن، فكلٌّ منا يسكنه ست الحسن والشاطر حسن”.
الأفلام السبعة: أبرز النجاحات وبعض التفاصيل
قال رشيد المشهراوي، المشرف على هذه الأفلام: “لم تتغير ظروف الإنتاج في غزة عن العام الماضي، لا يوجد مكان آمن، والأولويات هي الطعام وتحمّل الفقد والإصابة والنزوح. الفرق الوحيد هو أنه في هذا العام كانت المجاعة طاحنة والتدمير متواصل، وهذا زاد من مخاطر التصوير”.
وأضاف: “حين ذهب علاء دامو للتصوير في منطقة استلام الطحين، كانت الناس تُقتل من حوله، والمخرج نضال فقد ابنه. وفي فيلم أوس البنا كان يمشي على العكاز والبلاتين في ساقه، ومع ذلك استمر بالعمل في العلاج النفسي مع الأطفال عبر الدراما”.
وتابع حديثه عن التحديات التي واجهت المخرجين قائلًا: “عدم القدرة على التنقل، وعدم توفر الكهرباء أو الإنترنت، أصبحت جزءًا من عملية الإنتاج، فنحن خارج غزة، ومع صعوبة التواصل كانت تصلنا مواد مصوّرة بعدة كاميرات بسبب الظروف التي نتفهمها جيدًا، لذا شاركناهم بالمونتاج، وعمومًا لم يكن إنتاج الأفلام بالشكل المتعارف عليه، فهي تجربة جديدة تعلمنا منها جميعًا”.
لم يكن التواصل بين المخرجين ومشهور وفريق العمل في فرنسا يقتصر على العمل، فالقضايا الإنسانية كان لها مكانها، لأن فقدان الاتصال مع أحد المخرجين يعني بذل جهد أكبر للوصول إليهم ومساعدتهم بأي شكل.
يحتفي المشهراوي وطاقم الإنتاج بالمخرجين وإنجازاتهم رغم الظروف الصعبة، بمشاركة الأفلام في أهم المهرجانات العالمية، ومنها مهرجان عمّان السينمائي ومهرجان الجونة وفي وهران بالجزائر، وحصول فيلم “بلياتشو غزة” على جائزة لجنة التحكيم، والمشاركة بمهرجان إدفا، وهو أهم مهرجان للفيلم الوثائقي في العالم في أمستردام، ومهرجان تورينو.
نعم، استطاع هؤلاء جميعًا، وخاصة المخرجين في غزة، أن يفكروا رغم حرب الإبادة بالسينما، وأنتجوا أفلامًا وثائقية وتجريبية وروائية وكوميدية؛ خلطة من سينمائيين يمتلكون شغفًا وخيالًا استثنائيًا، وقد استطاعوا الوقوف أمام الدعاية المضادة للاحتلال الإسرائيلي وروايته المشوّهة والبعيدة كل البعد عن الحقيقة.
