ابتكرت الفنانة البريطانية المكسيكية ليونورا كارينغتون خلال علاجها في مصحّ نفسي بإسبانيا عام 1940، شخصيات أسطورية ستظهر في أعمالها اللاحقة؛ كائنات نصف بشرية ونصف حيوانية تعيش في عالم سفلي واحد، هيمن عليها الشكل الأنثوي دون ربط بطروحات فرويد مثلما فعل أقرانها من الفنانين السورياليين.
في قراءة جديدة لتجربتها التي امتدت لأكثر من ستّة عقود، يتواصل حتى التاسع عشر من يوليو/ تموز المقبل في متحف لوكسمبورغ بباريس، المعرض الاستعادي لكارينغتون الذي افتتح الخميس الماضي، ويضمّ نحو 126 عملاً تراوح بين لوحات مائية وزيتية ورسومات ومنحوتات تمزج بين الميثولوجيا والحلم والتجربة الشخصية في بناء رمزي كثيف.
يُفتتح مسار المعرض بأعمال أنجزتها الفنانة في سن الخامسة عشرة، خلال إقامتها في فلورنسا، تبرز من بينها سلسلة اللوحات المائية “شقيقات القمر” التي تظهر مهارة تقنية لافتة وانجذاباً مبكراً إلى العوالم الأسطورية، حيث تتحرّك ساحرات، وعرّافات، وتنانين، وكائنات خرافية في فضاءات مشغولة بدقّة، ويتبدّى تأثير رسومات عصر النهضة في ضبط الخطوط والعناية بالتفاصيل، وهو أثر سيظلّ حاضراً طوال مسيرتها.
وبالعبور إلى المرحلة الفرنسية من تجربتها، في أواخر الثلاثينيات، حين ارتبطت بالحركة السريالية وبعلاقة عاطفية وفنّية مع الفنان الألماني ماكس إرنست، يجد المتلقي نفسه أمام أعمال يتجلّى فيها العجائبي عبر تداخل الإنساني بالحيواني، حيث تتحوّل الوجوه إلى أقنعة أو رؤوس هجينة، في تبلور مبكر لثيمة الإنسان – الحيوان التي ستغدو إحدى ثوابتها البصرية.
تأثرت الفنانة بأساطير السكان الأصليين في المكسيك وحكاياتهم
ويستعيد المعرض تجربة المنزل الذي أقامته مع إرنست في سان-مارتان-داردِش عام 1938، حيث تختلط اللوحات بالعناصر المعمارية والأبواب والنوافذ، ويغدو الحيّز المعيشي مختبراً فنياً والجدران حوامل للرسم مثل القماش. وفي هذا الفضاء تتكرّر صورة المرأة برأس حصان، بوصفها قريناً رمزياً للفنّانة، وسيلازم الحصان أعمالها طويلاً، في استعارة تعبّر عن ذاتها المتمرّدة.
غير أنّ الحرب العالمية الثانية شكّلت منعطفاً حاداً في حياتها، ففي لوحة “مخدع الحديقة” (1941) يظهر سرير زوجي فارغ في فضاء مفتوح على العواصف، وشجرة تؤوي ساحرة عارية، فيما يلوح شبح إرنست الذي اعتقل خلال الحرب العالمية الثانية ثم انفصلت عنه بعد فترة وجيزة، على حصان هزّاز طفولي. لا يروي المشهد حكاية شخصية فقط، بل عالماً فقد توازنه، وبراءة يهدّدها العنف، مع مسحة من سخرية خفيّة تمنح الألم طاقة تحويلية.
مع انتقالها إلى المكسيك عام 1942، اتّسعت آفاق تجربتها وازدادت نضجاً بتفاعلها مع واقع جديد وبتأثرها بأساطير وحكايات السكان الأصليين، الأمر الذي يتجلى في عملها المفصلي “Artes 110″، حيث تنهض بنية اللوحة على عبور رمزي: امرأة بلا جسد واضح المعالم، تغادر فضاءً مضطرباً نحو جزيرة جديدة، ينتظرها على ضفتّها ثوب غير مكتمل. الخلفية اللونية المشبعة والتفاصيل الدقيقة تمنح المشهد طابعاً أسطورياً، فيما يحضر أثر الحكايات الخرافية في إيماءة وخز الإصبع التي تستدعي سرديات التحوّل والانبعاث، فيما العنوان نفسه يحيل إلى عنوان سكنها، في تداخل رمزي بين مكان الإقامة وبداية تشكّل هوية جديدة.
في 1945، قدّمت كارينغتون، في لوحة “إغواءات القديس أنطونيوس” قراءة مختلفة لموضوع كلاسيكي، فالقديس لا يبدو هنا معذّباً أمام الإغواء، بل في حالة اتّزان وسط كائنات غرائبية تتحرّك في فضاء مضيء. والمساحات أوسع، والعلاقة بين الشخصيات والخلفية أكثر انسجاماً، ما يعكس انتقالاً من كثافة رمزية مغلقة إلى عالم أسطوري أكثر رحابة.
أمّا في أعمالها المتأخرة، مثل “قدرات السيدة فونيسيا” (1974)، فيحضر البعد الباطني بوضوح، إذ باتت الفنانة أكثر استلهاماً لرموز التاروت والأساطير السّلتية والإشارات الكابالية، عبر تكوينات شبه دائرية تتوزّع فيها الشخصيات والعلامات كما في مخطوط سرّي. وبات اللون أقل صخباً، والخطوط أكثر دقة، فيما تكاثرت الرموز الحيوانية والنباتية في شبكة دلالية معقّدة. ولا يأتي حضور الكائنات الهجينة عند كارينغتون: نساء – خيول، طيور بشرية، مخلوقات نصفها إنسان ونصفها الآخر كائن أسطوري، من باب الزخرفة الخيالية، بل هو جزء من لغة بصرية تعيد تعريف العلاقة بين الجسد والهوية، وبين الطبيعة والثقافة، حيث النساء لسن موضوعاً للنظر، بل كاهنات وحارسات معرفة، يستعدن صِلَتهُن بالحيوان وبالدورات الكونية في مواجهة تاريخ طويل من التهميش.
