رسَمت الفنانة المكسيكية فريدا كالو نفسها في لوحات عدة تُشعر المتلقي بحالاتها النفسية والانفعالية، لكن واحدة من هذه الرسومات بدت مختلفة حيث تقف في اللوحة بين ستارتين في مشهد يستعيد لوحات النذور في الكنائس مُظهرة نفسها بثقة وثبات. أهدت اللوحة إلى ليون تروتسكي بمناسبة عيد ميلاده في 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 1937، بعد أقل من عامٍ من وصول القائد الشيوعي إلى منفاه المكسيكي.
في تلك الشهور القليلة، وقع تروتسكي وكالو في علاقة غرامية جارفة انتهت بانفصال سريع، وسط حياة محتشدة بالأحداث والنقاشات مع سياسيين وفنانين يكشفها كتاب “موت تروتسكي.. القصة الحقيقية لمؤامرة اغتيال ألد أعداء ستالين” (منشورات داتون، 2026)، لجوش أيرلاند، الذي يتضمن تفاصيل تاريخية دقيقة متنقلاً بين موسكو وباريس والمكسيك.
يتتبّع الكتاب مسارات القاتل والقتيل، وتأخذ السياسة الجانب الأكبر منها، لكن شخصية تروتسكي وطبيعة علاقاته تنزاح بالسرد إلى مساحات أخرى، والذي كان متيقناً بأن عميلاً واحداً من جهاز المخابرات السوفييتية يمكنه التظاهر بصداقته ليقتله في بيته، وهذا ما حصل عقب عدة محاولات اغتيال فاشلة شاركت فيها فرق استخباراتية، إذ استطاع رامون ميركادير الذي انتحل شخصية رجل الأعمال فرانك جاكسون، التقرّب منه حتى هاجمه بفأس ثلج (أداة حادة) في 20 أغسطس/ آب 1940، وتوفي تروتسكي في اليوم التالي.
وقع تروتسكي وكالو في علاقة غرامية جارفة انتهت بانفصال سريع
يشير الكتاب إلى أن القاتل اخترق دائرة تروتسكي عبر إقامته علاقة مع شقيقة إحدى سكرتيراته التي تحمل جنسية أميركية، حيث بدأ يتردد على مقر إقامته في فيلا، يصفها بأنها محمية بالحراس الذين لم يكونوا سعداء ولا يتمتعون بالكفاءة في عملهم. وبدا تروتسكي غير ودود في مخاطبته الجميع في تلك الفترة، وسريع الغضب، ومنفراً في تعامله، حيث كان يرفض تدخين النساء أمامه وكذلك وضعهن للماكياج، ويحوّل كل الأحاديث معه إلى خطب مطولة، دون أن يتيح فرصة الكلام لمجالسيه.
أثار سلوك تروتسكي غضب المحيطين به، وفي مقدمتهم الفنان دييغو ريفيرا، وزوج فريدا كالو، الذي حُرم الحديث أمامه عن دعمه للحركة الشيوعية في بلاده، أو مغامراته العاطفية، بحسب الكتاب الذي يعود إلى اللحظة التي أقنع فيها ريفيرا رئيس بلاده آنذاك باستضافة تروتسكي، وبقيا صديقين حتى عام 1939 حين قرّر الانحياز إلى ستالين فتفجّرت أكثر الخلافات السياسية بين الفنان والمنظّر الماركسي.
بموازاة ذلك، تشكّلت العاطفة سريعاً بين تروتسكي الجادّ وكالو المرحة؛ رجل في السابعة والخمسين وامرأة في التاسعة والعشرين، يخرج هو عن طوره، ويكتب لها رسائل مليئة بالشبق والإثارة، وتناديه هي بالرجل العجوز، أو صاحب اللحية الصغيرة، تحبباً، يتهور تروتسكي على غير عادته ويرتكب تصرفات طائشة لم يتوقعها مرافقوه، فيما تغويه كالو إمعاناً منها في معاقبة زوجها على خياناته المتكررة.
بدت حياة تروتسكي ضئيلة في المنفى ولا تحتمل، كما يصفها المؤلّف. وربما بسبب ذلك استحوذت كالو عليها، وعلّق لوحتها في مكتبه الخاص، وكانت موضع نقاش عدما زاره أندريه بريتون عام 1938، مبدين إعجابهما بها، وإن لم يفلت بريتون من تحيزاته الذكورية حين اختزل الأمر كله بـ”صحبة” شابة بكل مقومات الإغواء لرجل عبقري. مقابل ذلك، بقيت كالو فخورة بعلاقتها مع تروتسكي، وتقول كلما أرادت أن تغيظ زوجها ريفيرا، إنها عاشت الحب مع “الشيوعي العظيم”.
