ليليان يمين

 

 

يُشكّل مسلسل المحافظة 15، الذي يعرض في شهر رمضان على شاشة mtv ومن إنتاج Marwa Group، تجربة درامية جريئة تعيد فتح صفحة المعتقلات، من زاوية إنسانية عميقة بعيدًا عن الشعارات. تدور الحكاية حول رجل يخرج من سجن صيدنايا بعد ثمانية وعشرين عامًا من الاعتقال، ليواجه عالمًا تغيّر كليًا، بينما بقي هو أسير زمنٍ توقّف عند لحظة الظلم الأولى. إنها قصة عن الذاكرة، عن الزمن المسروق من حبيبين، وعن محاولة ترميم ما لا يُرمَّم.

 

كارين رزق الله… جرأة النص من نبض الواقع

الفضل في هذه الفكرة الجريئة يعود إلى الكاتبة وبطلة العمل كارين رزقالله، التي اعتادت مقاربة القضايا النابعة من بيئتنا والواقع المعيوش. في هذا العمل تُقدّم نصًا يوازن بين القسوة والأمل، وبين الخسارة وإمكانية البدء من جديد.

 

يورغو شلهوب… عذاب داخلي بلا افتعال

البطولة للنجم يورغو شلهوب بأداء يُعدّ من أبرز محطاته الفنية. جسّد شخصية المعتقل المحرَّر بعذاب داخلي صامت، بعيدًا عن المبالغة أو الخطابية. في نظرته المكسورة، في صوته المتردّد، وفي حركة جسده التي توحي بأن الحرية ما زالت غريبة عنه، نلمس وجع سنواتٍ طويلة من القهر. هو أداء مكثّف وعميق يمكن اعتباره بحق “دور العمر”.

 

في العمل كوكبة من الممثلين وأداء محبب من فيفيان انطلنيوس وأنطوانيت عقيقي إلى حضور درامي لافت من الممثل السوري حسن خليل.

 

سمير حبشي… عين إخراجية تحفر في الذاكرة

ولا يمكن إغفال بصمة المخرج الكبير سمير حبشي، صاحب المسيرة الحافلة بأهم الأعمال الدرامية. حبشي ساهم بوضوح في نهضة العمل، إذ جاءت لمساته الإخراجية دقيقة ومكثفة، تعتمد على الصورة الصامتة التي تجلّت لحظة خروج المعتقلين من السجن إلى الخارج حيت سلّط الضوء على ظلالهم التي واكبتها الكاميرا بجمالية شاعرية وحوار البطلين الحبيبين قرب البحر كان أشبه بصفحات كتاب ما إن تُطوى واحدة حتى تجيء أخرى فالحوار كان يُتلى  بإيقاع مدروس يواكب ثقل القضية.

 

شارة “ردّة فعل”… حين يصبح الغناء صوت القضية

تأتي شارة العمل” ردة فعل” امتدادًا وجدانيًا للحكاية، بكلمات الشاعر ماهر يمين التي لامست جوهر الألم الإنساني بلغة مكثفة وبصمت فرادة وتميّز تجربة يمين:

“أنا ردّة فعِل
على كل شي قبِل
أنا ماضي مَرَقْ


أنا عمر انسَرَقْ”
بهذه العبارات، يتحوّل البطل إلى صدى لكل ما سبق من ظلم، إلى إنسان سُرق عمره وأُعيد إلى الحياة كأنّه غريب عنها. وكذلك في قوله:
“نحنا ضحايا ناس
هنّي ضحايا ناس
والحلقه ما بتخلص”
تتجلى فكرة الألم المتوارث، والدائرة التي لا تنتهي.

 

اللحن الذي وضعه مصطفى مطر جاء منسجمًا مع روح النص، وهو الذي يتولى أيضًا توزيع الموسيقى التصويرية داخل العمل، مما عزّز التصاعد الدرامي في اللحظات المفصلية. أما الموزّع الموسيقي موريس عبدالله فقد أضفى بحسّه المرهف بصمة فنية واضحة، فجاء التوزيع متناغمًا مع عمق القضية ومشحونًا بالإحساس. ويكتمل المشهد بصوت أنور نور الذي أدّى الأغنية بصدقٍ وحرفية، ناقلًا وجع الكلمات إلى قلب المتلقي.

 

دراما جادّة في زمن الاستسهال

في وقت تميل فيه بعض الأعمال إلى التكرار أو المبالغة، يُثبت المحافظة 15 أن الدراما لا تزال قادرة على مقاربة القضايا الحساسة بوعي ومسؤولية فنية. تحية إلى Marwa Group على إنتاج أعمال جادّة تعيد للدراما دورها التنويري، وتضع الإنسان، بوجعه وأمله، في قلب الحكاية.