بخفّةٍ غيرِ مقبولةٍ، ولا تُحْتَمَل، يتنقّل (الدراميّون) تأليفًا وإخراجًا وإنتاجًا وتمثيلًا (خصوصًا تمثيلًا) من جبهةٍ إلى أخرى، ومن تخندّقٍ إلى آخر، ومن ولاءٍ إلى ولاء! في المشهد الدراميّ السوريّ (قبل وبعد)، ينكشف هذا التنقّل والانتقال وشدّ الرّحال من نقطةِ الولاء للنظام السابق إلى وعود الولاء للنظام الحالي، بوصفهِ فضيحةً مدويةً من طرازٍ غير رفيع. شخصيًا، وبحكم عملي الصحافي وعلاقاتي الممتدة مع غير منصة إعلامية سورية مُعارضة (صحفًا وقنوات ومواقع وإذاعات)، فقد كنت شاهدًا على (تشْبيح) عدد من الممثلين، ورفضهم (بعنف) اتصالاتي الهاتفيّة بهم في عام 2011، الحاملة في طيّاتها تأييدي للثورة بعد اندلاعها، ثم شاهدًا على (تكْويع) معظمهم، وحماسهم (المشكوك فيه) لكلِّ ما جرى بعد الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، تحت ذريعة “أننا كنّا محكومين على أمرنا، ولم يكن بيدنا حيلة، وعفا الله عمّا مضى” وما إلى ذلك من جمل التبْرير والتغْرير وتحْوير الحقائق. وإلا فإن ما بين أيدينا من معلومات تفيد أن عشرات (حتى لا أقول مئات) الفنانين والمثقفين والمبدعين وقفوا منذ اللحظة الأولى (منذ آذار/ مارس 2011) مع آلام شعبهم وكرامة وجودهم وحقهم بالحرية والمعنى والحياة. والاستشهاد بِأسماء هنا قد يدخلني في متاهةِ ذكرتُ فلانًا وغفلتُ عن فلان، ومع ذلك فلا ضير من استذكار بعض من أعلنوا منذ أول الرصاص في الصدور موقفًا واضحًا لا لبس فيه مع الناس وآلامهم وآمالهم، ومنهم، في أول القول، الفنانة الراحلة مي سكاف (1969-2018) على روحها السكينة والسلام، والفنانة الراحلة فدوى سليمان (1970-2017) على روحها السلام، ولن ننسى الفنانين عبد الحكيم قطيفان ومكسيم خليل وسليم صبري وابنته يارا صبري وزوجته الفنانة الراحلة ثناء دبسي (1941-2024) وجمال سليمان ومازن الناطور وفارس الحلو وجهاد عبدو ونوار بلبل وقائمة تطول (منهم فنانون في حقول غير درامية مثل الفنان سميح شقير، والموسيقار مالك جندلي، والمغني خاطر ضوّا وغيرهم)، إضافة، طبعًا، إلى عددٍ غير قليل من المثقفين والمبدعين الذين احترموا عضويّة الثقافة، وقيمة المعرفة، والفحوى النهائية للإبداع الإنسانيّ الخلاق، ومنهم، على سبيل المثال لا الحصر، المفكر والروائي الراحل خيري الذهبي (1946-2022) على روحه السلام، الروائي فواز حداد، الروائي مصطفى خليفة، الروائي والإعلامي إبراهيم الجبين، الشاعر نوري الجراح، الناقد صبحي حديدي، الروائي والقاص د. موسى رحوم عباس، الشاعر والروائي عيسى الشيخ حسن، الروائية شهلا العجيلي وقائمة تطول وتطول. من كل ما تقدم نخلص إلى نتيجة مفادها أن الذين وقفوا مع النظام البائد، أو سكتوا على جرائمه، أو استوطنوا كل ضِيَعِ الرّماد ولم يبرحوها، لا يحق لهم التَّداري خلف يافطة (مغلوبين على أمرنا)، فهي سقطت مع سقوط أصنام الطاغيتيْن (الابن والأب). قد أفهم في هذا السياق منطق الإدارة الحالية الراغبة باستنهاضِ سِلْمٍ أهليٍّ من بين ركام البلاد وأنّات الضحايا، ولكن هذه ليست وظيفتي بوصفي راصدَ مشهد، وباحثًا عن الحقيقة الضائعة في زوايا التجاذبات، وضغط الاشتراطات، وقهرية الحاجات وفي مقدمتها الحاجة إلى لقمة العيش كفاف الأيام.
مسلسل “سجون الشيطان”
فوظيفة الإعلام تقليب أحوال المعطيات المتوفرة، واستقصاء ما وراء الأشياء والأحداث، والتزام المرجعية الأخلاقية (المهنية والإنسانية) كأساسٍ لا مندوحة عنه. في سياق ما تقدم انسلّ عدد غير قليل من الممثلين السوريين الذين واصلوا أعمالهم وحَيَواتهم من داخل سورية، ممن أيدوا النظام بشكل لا لبس فيه، أو سكتوا عليه وانخرطوا في أعمال درامية تلفزيونية، أو سينمائية، أو مسرحية، تعمّق الجرح، أو توغل في تضييع البوصلة، أو تشوّه الواقع، أو تزيّف الحقائق، أو تكرّس الهوان وتدعو إلى التطبيع معه، انسلّوا إلى واجهة الأعمال الدرامية التي أنتجت في عام 2025 (أي العام الذي أعقب ما جرى في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024)، وانشغل معظمها في رصد جرائم النظام الآفِل، أو تسليط الضوء على سجونه ومسالِخه البشرية، أو محاولة تفكيك الروافع التي اعتمد عليها في إطالة عمر براميله فوق رؤوس العباد والبلاد، فإذا بهم يصبحون (بقدرةِ قادر) جزءًا من المنظومة الدرامية والإعلامية المبشّرة بالعهد الجديد، مستفيدين من الحاجة الدرامية الملحّة للجاهزين تمثيليًا وأدائيًا وتقنيًا، والحاجة المجتمعية الملحّة لِتجاوز الماضي، ونشر رسائل السماح والتسامح، وتوق السوريين جميعهم في مختلف مواقعهم، ومن مختلف مرجعياتهم وشرائحهم وطبقاتهم، إلى بدء صفحة جديدة، والشروع برسم ملامح سورية المستقبل، وبناء مداميك انطلاقها نحو غد مشرق واعد، وتجفيف روافد الكراهية، ودوافع الانتقام، ومنابع العنف من نواحيها جميعها. المفارقة ليست في إقبال كثير من (الشبّيحة الدراميين) الذين كانوا موالين للنظام البائد على الأعمال التي تدينه (وتدينهم بالتالي)، بل في قبول فنانين معارضين العمل معهم في الأعمال نفسها، وحتى في الظهور معهم داخل المشاهد نفسها!
لقمة العيش…
بسؤال بعض الأصدقاء الممثلين ممن فعلوا ذلك وقبلوا وضع أسمائهم إلى جوار أسماء بعض (غُلاة الشبيحة) في بعض الأعمال الدرامية التلفزيونية التي تعرض على الشاشات والمنصّات في شهر رمضان الحالي 2026، فقد كان جواب معظمهم: لقمة العيش يا محمد! والحقيقة أن الجواب كافٍ من جهة وغير كافٍ من جهة ثانية، وفي مختلف الأحوال، ومع الإقرار أن لقمة العيش ضاغطة بلا شك، وأن معظمهم يقيم خارج سورية إما بعد عام 2011، أو قبله، وما يتبع هذه الإقامة من قلقِ كلّ يوم بيومِه، ومخاوف التقدم بالعمر، وغياب الأمان المتعلق بوجود الواحد منّا بين أهله وربعه وعزوته، فإن قبولهم هذا التجاور أفقد سردية الثورة بعض مشروعيتها، وشتّت ذهن بسطاء الناس (وأنا منهم).
مسلسل “مطبخ المدينة”
لست شعبويًا، ولا ملكيًا أكثر من الملك، ولا أقبل بما كان يقوله لي الفنان غسان مسعود، على سبيل المثال، عندما كنت أتصل به في عام 2011، مستفسرًا عن موقفه من الثورة، راجيًا وقوفه في صف الناس: “أهل مكّة أدرى بشعابها، واترك سورية للسوريين”، فأنا سوري أولًا (ابن سورية الطبيعية وبلاد الشام والهلال الخصيب)، وثانيًا هموم الشعوب العربية واحدة، وآلامها وآمالها وأشواقها وتطلّعاتها كذلك. من الواضح أن معظم الأعمال الدائرة حول ثيمة سقوط الطاغية طُبخت على عجل، سواء في حدّوتاتها، أو في آليات تنفيذها إخراجًا وإنتاجًا وتمثيلًا وتقنيات، وهو ما نجم عنه، على ما يبدو، هذا الجمع الجارح في بعض الأحيان لممثلين أكنّ لهم الاحترام كلّه، مع آخرين لم يخجلوا ولا مرّة من إعلان الولاء لمن استخدموا البراميل المتفجرة والأسلحة الكيماوية وأغرقوا شعبهم والشعوب حولهم بحبوب الكبتاجون! وهذا الخلط الفاضح بين الخير والشر داخل تفاصيل حكاية كل مسلسل من مسلسلات سقوط الطاغية، كما لو أن بعض من يتنفّسون طائفية وتختنق أحشاؤهم بسمومها هربوا من الأبواب الخلفية ليعودوا هذه المرّة عبر بوابات الدراما التلفزيونية التي تنفتح على كل بيت ويدخل المتوارون خلفها بدون استئذان، فإذا بأغلبية الشعب السوري تدخل في دوامة “عضّ أصابع” ومن يقول أخ أولًا؛ فإن احتجّ هؤلاء، أو ممثّلوهم من الإعلاميين والفنانين والنقاد والمثقفين على مشهد خادش هنا، أو تشويه صادم هناك، أو تسخيف لما حققه الشعب السوري من انتصار تاريخي، شرع الطائفيون الحاقدون الذين فقدوا امتيازاتهم القديمة غير المشروعة، في التباكي والشكوى واستنهاض أسلحة العدالة الدولية المدّعاة في أوروبا وعموم الغرب الاستعماري لتنتصر لمظلوميتهم، وتنافِح عن عناوين وجودهم. أورد ما تقدم وفي حلقي غابة من الأسئلة؛ منذ متى كان مشهد ظهور ممثلة بمنشفة حمّام ثم بقميص نوم فاضح أمرًا طبيعيًا في الأعمال التلفزيونية العربية على وجه العموم، والسورية على وجه الخصوص؟ (وأنا هنا أتحدث عن مشهدين بعينهما ضمن أحداث مسلسل “مطبخ المدينة” في سياق علاقة غير زوجية) متسائلًا في أيِّ مطبخٍ حوله مليون علامة استفهام أُنجز هذا المسلسل الذي لا يشبه سورية، ولا ثورتها، ولا قيم ناسِها، ولا إدارتها الجديدة، ولا أحلامها الصاعدة في شيء؟
“مطبخ المدينة”…
مدينة متسولين داخل مدينةِ ملاهٍ، نوادٍ ليلية، علاقات مفكّكة، كل ابن من أبناء صاحب المطبخ (الممثل عباس النوري!) يعمل في المطبخ من جهة، وفي عمل آخر غير مشروع من جهة ثانية! هل يشبه الواقع الذي يسوّقه لنا المسلسل الواقع السوري الحقيقي في شيء؟ من وجهة نظري الجواب هو: لا، إلا إذا اعتبرنا أن مشاهد الإلقاء الناقدة لبعض أزمات الواقع السوري على طريقة (الستاند أب كوميدي، أو الوَن مان شو) التي قدمها الممثلان ملهم بشر وإبراهيم الشيخ في واحدة من الحلقات (الحلقة الثامنة) بشكلٍ إقحاميٍّ على بُنياتِ العمل وتصاعد وتيرته الدرامية، هي دراما، علمًا أن الدراما في وادٍ وهذا الإقحام الفَج في وادٍ آخر.
مشهد من مسلسل “مولانا”
من المؤسف حقًا أن تكون مخرجة هذا المسلسل هي رشا شربتجي، مخرجة “أشواك ناعمة” و”غزلان في غابة الذئاب” و”الولادة من الخاصرة” و”كسر عضم” و”تخت شرقي” وغيرها من الأعمال المحفورة في وجدان الروح السورية. صحيح أنها حادت قليلًا في “ولاد بديعة” الذي عُرِض في عام 2024، ولكنها في “مطبخ المدينة” ذهبت بعيدًا بِإدارة الظهر لمنجزها ولِمنجز شعبها. المفارقة المؤلمة (مرّة أخرى) أن فنانين معارضين (مثل نوار بلبل) يشاركون في هذا المسلسل الذي يحتوي على عدد كبير من المغالطات سواء حول بُنْية الأسرة السورية، وشكل علاقاتها، ومدوّنات قيمها، وجغرافيا عمارتها، أو حول يوميات الناس في زمن الذل، أو حول مصداقية مقارباته للمواقع والأماكن، أو حول التقاطهِ لِأسس الحوار القويم القائم على الوعي الجمعيّ لمجتمعٍ ما، أو تجمّعٍ بشريٍّ ما، أو حول تلفيقهِ لمشاهد القتل والمطاردة، أو حول تبريره لانحرافات شخوصه، وتدويرهِ لمصائرهم بشكل غير مدروس ولا محبوك؛ بلا إيقاع ولا إقناع. ما الذي سيجري في الحلقات المتبقّية؟ هذا ما لم يعد له معنى أو قيمة.
“سجون الشيطان”…
بكثير من النوايا المضطربة، والاستعجال المتلهّف، والرغبة في ركوب سوق دراما سقوط الطاغية، أنجز منتجون سوريون ممن لم يغادروا سورية سداسية “سجون الشيطان” المسلسل الذي يحمل اسمًا آخر هو: “القيصر: لا مكان… لا زمان” إخراج صفوان مصطفى نعمو وإشراف عام لِشقيقه أمير مصطفى نعمو (الذي قضى في السجن سنينًا بسبب مشكلة قانونية وقعت بينه وبين الممثلة جومانا مراد وزوجها المحامي) وإنتاج معتز نادر الأديب “الأديب”. العمل من ثلاثيّتيْن؛ واحدة تحمل عنوان “درب الألم” سيناريو وحوار زهير رامي الملا، والثانية تحمل عنوان “أكسجين” سيناريو وحوار مؤيد النابلسي. المضحك المبكي في هذه السداسية المحتوية على مبالغات درامية، التي تعاني من ضعف إنتاجيّ، ومن وهنٍ أدائيّ، ومع الإشارة إلى الدور الحيوي الذي قدمه الفنان المعارض نوار بلبل، أن معظم الممثلين والممثلات فيها من الموالين، أو الرماديين الذين يركبون اليوم موجة الانتقام الدراميّ من نظام البراميل، كما في الثلاثية الثانية التي يجري فيها المرور على مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية، وترصد إلى ذلك، استخدام البراميل المتفجرة.
“الخروج إلى البئر”…
لعل مسلسل “الخروج إلى البئر” من كتابة سامر رضوان وإخراج محمد لطفي وإنتاج “ميتافورا” ومشاركة حشد من المعارضين وقليل من الموالين، من أنضج الأعمال الدرامية التي أنجزت بعد سقوط الطاغية، وعاينت بعمقٍ صحارى تغوّله بدءًا من عام 2005، وصولًا إلى العصيان الذي نفذه سجناء صيدنايا في عام 2008، من خلال تناوبٍ بين رصد ظروف عدد من المساجين في سجن صيدنايا، وبين إلقاء ضوء على الوقائع الاجتماعية والنفسية والمعيشية لعدد من الأسر السورية (أسرتيّ أبو فراس وأبو الحارث بشكل مركّز)، مستندًا في كل ذلك، كما يؤكّد منتجوه، إلى “وقائع حقيقية وأحداث موثّقة تُروى للمرة الأولى دراميًا”.
ملصق مسلسل “الخروج إلى البئر”
بتعمّقه في سبر أغوار الأوضاع السياسية التي مرّت بها سورية خلال عقديْن ماضيين، يلقي المسلسل نظرة على محيطها العربي في العراق ولبنان، ويكشف الدور الذي لعبه النظام السوري في فترة مقاومة جهات عراقية للوجود الأميركي، ما استدعى مشاركة ممثلين من العراق ولبنان في حلقات العمل، أجاد معظمهم في رسم ملامح شخصياتهم، وأسهموا في دفْقِ روح قومية بتْنا نشتاقها. مشاركة معارضين موثوقين من طراز عبد الحكيم قطيفان وجمال سليمان ومازن الناطور وريم علي وواحة الراهب في المسلسل أضفى على سرديّته مشروعية دافئة، من دون أن ننسى أن سامر رضوان هو السيناريست الذي كتب مسلسل “ابتسم أيها الجنرال” (2023) الذي خلا، من إنتاج “ميتافورا” أيضًا، من أي مشاركةٍ تمثيليةٍ مختلطة.
“عيلة الملك”…
فوضى عارمة، يختلط فيها الحابل بالنابل، تعتري مسلسل “عيلة الملك” من تأليف ورشة درامية ضمّت شادي كيوان، معن سقباني، وميادة إبراهيم، بإشراف مخرج المسلسل محمد عبد العزيز، ومن إنتاج شركة “أيهم قبنض ميديا” والمنتج المنفذ “أفاميا الدولية” بإشراف عام من المنتج فراس الجاجة. عدد الممثلين والممثلات الموالين والمواليات للنظام السابق في المسلسل يخنق أي مشروعية تريدنا أن نتفهّمها حكايته، أو حكاياته، وهو ما ينطبق على فريق تنفيذِه وإنجازِهِ إخراجًا وإنتاجًا وتقنيات!
“مولانا”…
لا أدري في أي سياق يمكن إدراج مسلسل “مولانا”، كتابة سامر برقاوي وإخراجه لشركة “صبّاح إخوان” إنتاجًا، من بطولة تيم حسن الذي يفضّل، عادة، أن يغرّد وحده، بعيدًا عن زحمة الأسماء السورية التي تريد لها حصة في أي كعكة. وكعادته، أيضًا، وأيضًا، اخترع تيم لِتطريف العمل (جعله طريفًا) بعض نهفاتهِ من مثل قلب حرف الجيم عنده إلى حرف الزين (لا أدري كيف زبطت معه هذه التطريفة المضحكة فعلًا من دون أي مكابرة أو فلسفة)، إضافة إلى نهفة تكراره لازمة (بس ولكن)، على أن حدوتة العمل لا ترتبط بشكل مباشر واضح بزمن سقوط الطاغية، إلا إذا اعتبرنا “ضيعة العادلية” هي سورية، والثكنة العسكرية التي تحاصرها وتريد حلبها والاستيلاء على أراضيها هي النظام الآفل. على أن هذه الافتراضات تمنح العمل (المقتبسة روح أحداثه من عمل أجنبي) ما لا يستحقه، وتلوي عنق وجهات تطوّر الصراعات والمصائر فيه، باستثناء أن جابر (أو زابر بحسب ما ينطقه صاحب الدور والاسم تيم حسن)، هو ضحية قمع سجون النظام بسبب شتيمته للحكومة كما يقول شقيق زوجته في الحلقة الأولى قبل أن يطعنه جابر بمقص خياطة ويهرب، وتبدأ أحداث المسلسل الذي يجوب بعض القضايا الاجتماعية والنفسية والسلوكية الجمْعية من مثل حاجة الفقراء و(المْعَتَّرين) والفلاحين المحرومين من خيرات أرضهم إلى رمزٍ يحمل مشروعيةً صوفيةً غيبيةً كفيلةً بأن تمنحهم بعض الأمل والقدرة على الاستمرارية، وإلى رمزيةٍ تجعل لحياتهم معنى. من الواضح أن بعض مواقع التصوير ليست في سورية، وأن بعض الصيرورات ليست لها علاقة بالثورة وبانتصارها في نهاية المطاف، وأن التسلية تشكل جزءًا أساسيًا في سياق وجهة النظر التي أُنتج العمل على أساسها.
في زمن الطغاة السوريّ كانت “اللجنة الفكرية” هي الجهة الرقابية على الأعمال الإبداعية الدرامية والورقية، وكانت وحدها المخوّلة بقول هذا يصلح وهذا لا يصلح، مستندة في ذلك لما في جعبتها من حسابات وأجندات، ساعية، أساسًا، لتمرير ما يخدم النظام، ويثبت أركانه، حتى لو بالتنفيس في بعض الأحيان، فهل يطوّر صنّاع الدراما السورية، في زمن الانتصار السوري، مجسّات رقابتهم الذاتية، أم أنهم ما يزالون يحتاجون إلى رقابة فوقية؟
